|
 |
|
مقالات وترجمات حديثة |
|
الوصلة الإشهارية : الغاية والوقع الجمالي
 |
|
قد
لا نخالف الرأي كل الذين أطلقوا نيرانهم على الإشهار وشككوا في
مقاصده ونواياه. فآلياته وغاياته وأساليبه المرئية منها وغير
المرئية تستند إلى " حيل" تواصلية نادرا ما ينتبه إليها المستهلك.
فهو " يضلل " و" يُبَسط" و" يفسد" و" يشوه " و" يقلب الحقائق "
ويحول ما يأتي من الثقافة إلى حالات طبيعية لا تنكرها العين ولا
تستهجنها. بل يمكن أن تكون وظيفته أوسع بكثير من هذا، وربما أخطر
أيضا من كل الأحكام السابقة وغيرها، فهو " يتعامل مع الإنسان
باعتباره مجرد حيوان تطبق عليه كل أساليب الترويض والتحكم الآلي
حيث يفقد حريته ويصبح مجرد دمية كراكيز لا تتحرك إلا بما تشتهيه
الأصابع" (1)، أو "يتعامل معه كما لو أنه من أشد الحيوانات بلادة"
(2).
لذلك لا يجب أن تخدعنا مظاهر البراءة والعرض المحايد للسلعة
والخدمات. ففي ما وراء الرضا والطمأنينة التي يودعها في المنتج
المعروض للبيع، يسرب القلق والكآبة والتوق الدائم إلى "مطلق وهمي"
في الكينونة والامتلاك على حد سواء. إنه لا يقود، من خلال
الاستهلاك المتزايد، إلى تحرير الفرد من قيود الحاجات بإشباعها، بل
يخلق حالات استعباد لا يمكن إشباعها أبدا. فهو أصل الحاجات ومصدر
ديمومتها.
التتمة |
|
سرد الصفات أو "سيرة الهوى":"هذا الأندلسي" لبن سالم حميش |
|
يمكن القول، إن
الحكايات وحدها هي من أنصف العظماء، فقد قدمت حياتهم في شكل
"جزئيات" و"مواقف" التقطها الناس في كل بقاع العالم وتغنوا بها
بعيدا عن أحكام التاريخ وتعقيداته. وهو أمر يفسر إلى حد كبير
الموقع الذي تحتله الأدبيات الخاصة بالكتابة السيرية في تاريخ
الأنواع الأدبية. فهي" نوع غامض" يصنف عادة في موقع توسطي بين
تاريخ يعتز بعلمية تجنح إلى التجريد والأحكام العامة، وبين "صيغة
سردية" تحتمي بوقائع المعيش اليومي وتفاصيله ولا يمكن أن توجد إلا
من خلاله.
لذلك، فإن السيرة،
ذاتية كانت أو غيرية، ليست تاريخا، لأنها لا يمكن أن تبنى ضمن ما
يقتضيه بناء" الحدث التاريخي" بكل إكراهاته، ولكنها ليست رواية
أيضا، لأنها
" تترفع " عن التخييل انتصارا لرغبة
في صياغة قول " صادق" قائم على المعاينة والمشاهدة، وهو أمر لا يشكل،
في نهاية الأمر، قيمة فنية في ميدان السرد الحكائي. والحاصل أنها
لا تثق في النوعين معا، وترفض أن تصنف ضمنهما.
التتمة |
|
ذاكرة الماء ولاوعي السرد |
|
-ليس في نيتنا قول
أي شيء عن أساطير الماء العديدة، وعلى رأسها حكاية الطوفان الذي
أغرق البشرية، إلا القليل منها، في لجة لا يعرف أحد قرارها، فذاك
سر من أسرار الكون فُصِّل فيه القول قديما وحديثا، وأغلب تأويلاته
متداولة ومعروفة. ما نحاول القيام به في هذه الدراسة يقتصر على
استعارة " شكل مائي" يمتص مادة تشكله من هذا الطوفان بالذات،
ولكنه ينزاح عنه من حيث " الكثافة الدلالية " التي تُبنى على تناقص
في حجم الماء أو تقليص لمداه ( كمية الماء لا قيمة لها قياسا
برمزيته). فالنصوص الروائية الثلاثة التي نعتمدها أساسا لصياغة
فرضياتنا التحليلية لا تضع الماء مادة لسردها، إلا أنها تنتهي كلها
إلى تسريد الماء استنادا إلى غاية ضمنية تقدم " رسما جديدا " لذكرى
خاصة بطوفان أصلي لا يمكن أن يحضر في الذهن إلا من خلال آليات
السرد ووفق قوانينه.
وذاك ما تكشف عنه
الطاقة السردية الكامنة، كما يمكن تلمس وجهها الخفي والمجرد في
العلاقات المفهومية غير الموجهة : ما يمكن أن يتولد عن العلاقات
الرابطة بين الحدود المتقابلة ( أبيض- أسود، ليل- نهار). إن الرؤية
السردية، استنادا إلى هذا التقابل، معطاة من خلال العلاقات قبل
تحققها في الحدث والوصف. وسيكون التحول المضموني تبعا لذلك كليا :
المابعد الزمني يلغي الماقبل بالضرورة. فهذه الروايات " أطروحية"
في عمقها، إنها تنطلق من " ثنائية " قيمية تُبنى استنادا إليها
عوالم التشخيص وتتخذ شكلا.
التتمة |
|
المرئي وجوهره في الوصلة الإشهارية ؟ |
|
نتناول في هذا المقال الأساليب التي يهتدي بها الإشهار من أجل "
تبليغ " بعض الطاقات الانفعالية التي غالبا ما يتعذر عليها إيجاد
تجسيد مباشر يحتويها ويكون المعادل المطلق أو النسبي لما يمكن أن
يُستثار في وجدان المستهلك/ المتلقي. فهذه الطاقات تعد جزءا من "
كينونة " تبنى من خلال أحاسيس لا يمكن أن تعيشها ذاتان بالطريقة
نفسها، كما هي حال كل الأحاسيس التي لا تتخذ شكلا إلا من خلال
تقطيع لفظي قد لا يغطي الطاقة الانفعالية كما هي في ذاتها، أو من
خلال صورة تتكفل داخلها عناصر إدراكية تنتمي إلى سجلات مغايرة
للتعبير عن فحواها. وهذا ما يفسر عجز الوصلة الإشهارية في أغلب
الحالات عن الكشف عنها اعتمادا على ممكناتها التعبيرية وحدها. وهذا
معناه أن الصورة في حاجة إلى أدوات إقناعية مستوحاة مما هو أبعد من
حالات التجلي أو ممكنات التحقق.
وندرج ضمن هذه الانفعالات ما يمكن أن تكشف عنه المحاولات التي يقوم
بها المستشهر من أجل تبليغ بعض " الخاصيات " التي تشير إليها
الألوان، أو بعض الأحاسيس المجردة التي لا ندرك منها عادة سوى
مفاهيم عامة مفصولة عن تحققاتها، كما يمكن أن تتسلل إلى وجدان كل
فرد كالسعادة والراحة واللذة وغيرها. وندرج ضمنها أيضا كل ما يمكن
أن تثيره حالات التواصل الشمي الذي يستند إلى نسق يتكون من عدد
هائل من " الروائح " التي تستدعي، من أجل ضبط رنينها، معرفة
اجتماعية ودينية، بل وإيديولوجية أحيانا. و"الرائحة " هنا لا تقتصر
على ما يصنف ضمن دوائر" العطور" المتعارف عليها، بل تشمل أيضا
حالات الطبخ وأدوات التنظيف ونسمة القهوة، مع كل التمايزات الدقيقة
الفاصلة بين هذه الحالات مجتمعة ( كيف يمكن " تصوير الرائحة"
والكشف عن خصائصها).
التتمة |
|
الصورة : وهم الاستنساخ واستيهامات النظرة  |
|
تندرج الصورة
وإنتاجها وأنماط تلقيها ضمن سلسلة من البداهات التي غالبا ما يحتكم
إليها الحس السليم من أجل تحديد حالات التطابق أو التشابه بينها
وبين ما تقوم بتمثيله. فهي في العرف جزء من طبيعة المعطى الموضوعي
التواق إلى وجود مضاف يقي الأشياء والكائنات شر الدهر وصروفه.
فالصورة – ضمن هذه البداهات أيضا- هي استعادة لجزئية من فضاء ممتد
إلى ما لانهاية وفق معايير تلغي الزمان باعتباره مدى محسوسا أو
تعاقبا في كل شيء : كل صورة هي في الأصل نفي للزمن من حيث هي تأبيد
للحظة.
إن ما يأتي إلى
العين، عبر العدسة والرسم واللوحة، وفق الحس السليم والرؤية
الساذجة دائما، ليس شيئا آخر غير ما يمكن أن تُصَدِّق عليه معطيات
واقع عنيد يثق في تجلياته، لا فيما يمكن أن تقوله عين الفنان. إن
الأمر يتعلق بتشابه أو بتماثل بين لحظة في الطبيعة وأبَدٍ مطلق في
الصورة. ووظيفة هذا التشابه محددة بدقة، إنه " الرابط بين
الصورة والواقع المدرك، إنه لا
يفترض سوى توافق بين حقل الرؤية وبين صورة تحل محله" (1). إنه قاسم
مشترك بين الحس السليم وبين واقعية تصويرية تدعي القدرة على
استعادة العالم الممثل كليا أو جزئيا.
التتمة |
|
المعوقات الذاتية للحوار مع الآخر
|
|
قد لا يكون الحوار الذي تدعو إليه جهات متعددة وبنوايا متباينة
أمرا طارئا أفرزته حاجات عولمة تهدد باكتساح كل شيء في طريقها.
فالتفاعل، رغم كل مآسي الحروب والتطاحن، سمة ثابتة في تاريخ الشعوب
وليس اكتشافا حداثيا يمكن أن يوضع في حساب هذا الطرف دون ذاك. فأن
يعج التاريخ الإنساني برحالة من كل الأعراق والديانات والثقافات،
جابوا العالم رغبة في التعرف على الآخر ونقل معارفه وخبراته من أجل
إغناء التراث المحلي، دليل قاطع على أن الأصل في الوجود الإنساني
هو التلاقح والتفاعل الإيجابيين لا الصراع المدمر.
التتمة |
|
استراتيجيات التواصل |
|
التواصل حاجة إنسانية أولية وليس مضافا عرضيا يمكن الاستغناء عنه،
إنه ليس اختيارا بل إكراه اجتماعي يتعلم الفرد من خلاله كيف يتأقلم
مع قوانين المجتمع ومقتضياته. فكما لا يمكن الحديث عن الإنسانية
إلا من خلال وجود مجتمع ( إيكو)، فإن الحديث عن المجتمع لا يمكن أن
يتم دون الحديث عن نشاط تواصلي يمكن الأفراد والجماعات من إشباع
حاجات لا يمكن أن تُشبع اعتمادا على مجهودات الفرد وحده. ولقد ذهب
البعض إلى الاعتقاد أن التواصل والأخلاق ومجمل الإكراهات التي
صاحبت الارتقاء الإنساني من حالات "التوحش الطبيعي " إلى ملكوت
العوالم الرمزية
كلها أنشطة تحققت من خلال سيرورة واحدة، حيث يندرج الفعل الإنساني
في كليته ضمن سجلات متباينة في التجلي، ولكنها متطابقة مع بعضها
بعضا من حيث المضمون، فهي ما يشكل في نهاية الأمر إنسانية الإنسان.
وذاك هو السر في أن يكون الإنسان حيوانا رامزا.
التتمة |
|
محددات الإشهار |
|
إن الإشهار، عكس ما توحي به واجهاته وتقنياته الحديثة، ليس وليد
الحضارة المعاصرة، فقد كان هناك في تاريخ التبادل التجاري ما يثبت
أن الإنسان في رحلته الطويلة بحثا عن وسائل العيش وتحسينها لم
يعْدم وسيلة من أجل الدعوة إلى شيء يريد بيعه أو شراءه أو استبداله
بشيء آخر. وهو ما يعني أن " الإشهار باعتباره إغراء تجاريا قديم
قدم الكتابة ذاتها. فقد عثر في بابل على كتابات يمتد تاريخها إلى
خمسة آلاف سنة تمجد مُنتج أحد الصناع وتعلي من شأنه. وقد ازدهرت في
الأسواق الصينية في القرن الثامن قبل الميلاد، في عهد إمبراطورية
زهو، حركات إشهارية كانت تقدم على شكل أنغام معزوفة على الناي.
قرونا بعد ذلك أثبت تجار بونبي أنهم ليسوا أقل قيمة من غيرهم في
هذا الميدان، فصاغوا وصلات إشهارية ذات بنية حجاجية بالغة الدقة،
منها على سبيل المثال الوصلة التالية : إذا أنفقتم 2 آس ستشربون
خمرا جيدة، أما إذا أنفقتم 4 فستشربون خمرة فاليرن "(3). والصيغة
الأخيرة تشير إلى أسلوب إقناعي ذي بنية منطقية صريحة.
التتمة |
|
الإيديولوجيات الإشهارية |
|
1- إن التساؤل عن الماهية الحقيقية للإشهار هو في واقع الأمر تساؤل
عن الماهية الوجودية للإنسان ذاته، لا من حيث هو هوية نوعية قارة (
الانتماء إلى الفصيلة)، بل من حيث هو بنية نفسية اجتماعية رمزية
دائمة التحول. فالإنسان واحد في ذاته ولكنه متعدد من حيث بناؤه
النفسي والاجتماعي. فالكينونة تتحقق من خلال واجهات متعددة، إنها
خاضعة في ذلك لمؤثرات التاريخ والجغرافيا والانتماء الثقافي
واللغوي والتصنيف الطبقي والسن والجنس. فليس غريبا أن يصبح الكسكس،
في الألفية الثالثة، عنصرا من عناصر المائدة الفرنسية، ويتكفل
الإشهار،كعادته بتطبيع ذلك من خلال خلق حالة تثاقف غذائي مصدره
الانتشار المغاربي في فرنسا.
التتمة
|
|
الخبر والتواصل والتواصل الفعال |
|
لقد أشرنا في أماكن متعددة من هذا الكتاب إلى خاصية أساسية في النص
الإشهاري. فهو تجاري في المقام الأول، ولا غاية له سوى حث الجماعات
والأفراد على الشراء وخلق نمط حياتي قائم أساسا على الاستهلاك
باعتباره سبيلا فرديا وجماعيا نحو " سعادة " تخترق اليومي بأبعاده
النفعية والمتعية. ولهذا السبب، فإن الإرسالية لا تحيل في العملية
الإشهارية على فعل تواصلي كما يمكن أن يتحقق بين طرفين يتبادلان
التأثير، أو كما يمكن أن تشير إلى ذلك النظريات الخاصة بالتبادل
الإنساني الذي يقود الفرد إلى استبطان حالات الانتماء إلى مجموعة
ثقافية ما من خلال سيرورة التكيف مع المحيط المباشر.
إن التواصل في حالة الإشهار أحادي الاتجاه، كما أوضحنا ذلك في
الفصل الأول، وكما سنرى ذلك في الفقرات الموالية. إنه شبيه في ذلك
بما تحيل عليه المقولات الأخلاقية التي تتخذ شكل حكايات تقود
بالضرورة إلى بلورة " قاعدة للفعل"، فالحكاية، بدون هذه القاعدة،
لن يكون لها من معنى سوى ذاك الذي تحيل عليه الأحداث بشكل مباشر
(الثيران الثلاثة، الغراب والثعلب، الملك والنملة....)، فالمتلقي
مدعو، في نهاية كل حكاية، إلى " اتخاذ موقف "، وسيكون هذا الموقف
هو الصورة المجردة المنتقاة من الوجه المشخص الذي تقدمه الأحداث.
التتمة |
|
الوصلة الإشهارية : من اللفظ إلى الإيقاع التشكيلي |
|
إن اختيار اللون أو الشكل أو الخطوط أو الوضعات لا يختلف في شيء
عن الاختيار الذي يفرضه النسق اللفظي. فالإشهاري يبحث في الكلمات
عن جرْسها وسهولتها في النطق والتداول، فهو لا يتوفر إلا على ثوان
معدودات يحرص على عدم تبذيرها في كلمات لا تستسيغها الآذان. فكما
ينتقي من الألوان أقربها إلى النفس وأكثرها قدرة على التسلل إلى
عين المشاهد وإثارة انتباهه، ومن الأشكال أكثرها تعبيرا عن الحالات
الانفعالية التي يعرض لها، فإنه يميز أيضا بين "الألفاظ المشبعة "
من قبيل الأسماء والأفعال والصفات، وهي ألفاظ حاملة لمضامين وقابلة
للاستعمال في معزل عن الروابط، وبين " الألفاظ الفارغة " التي عادة
ما يتجنبها مصممو الوصلات، لأنها تعوق التذكر وتستدعي مجهودا
إضافيا لتداولها، ويتعلق الأمر بكل أدوات الربط التي تقوم عليها
الجملة في الاستعمال العادي
التتمة |
|
الإقناع الإشهاري : استراتيجية القرصنة |
|
يتميز الإشهار بخاصية أساسية كونه يجمع ضمن بنية واحدة بين ثلاثة
أنشطة إنسانية متباينة من حيث التكون والجوهر، ومن حيث الغايات
والاشتغال، يتعلق الأمر بالتعبير والخبر والإقناع. وهي أنشطة
أساسية في كل واقعة إبلاغية كيفما كان نوعها ومهما اختلفت
سياقاتها، إلى الحد الذي يجعل التواصل إقناعا وتعبيرا وخبرا في
الوقت ذاته. فلا غاية " للتعبير" سوى الكشف عن طاقة انفعالية خاصة
بالمتكلم من خلال أدوات متنوعة منها اللغة والبصر والإيماءة
والموسيقى. أما الخبر فهو وصف محايد لمعطى موضوعي تتكفل أداة
التعبير بالكشف عن حجمه وامتداده دونما اعتبار للذات التي تصفه
وتقدمه. وهي حالة مفترضة فقط، فنادرا ما يقدم الخبر خارج الذات
التي تقوم بصياغته.
التتمة |
|
السرد النسائي أو الفحولة المسترجلة |
|
.... وفي الحالتين معا، تستند معايير الحكم والتقويم إلى النظام
الذي يضم بين ثناياه كل العوالم التي نسجتها الرؤية الذكورية
وسربتها، في غفلة من التاريخ، إلى اللغة، في التسمية والوصف، وفي
النفس السردي الذي يتحقق في شكل قواعد كونية هي في البدء وفي
المنتهى احتفاء بالزمن، أو هي الشكل المرئي للزمنية كما يمكن أن
تستوعبها الخبرة الإنسانية لتغير من مجراها أو تعدله.
والأمر لا يقتصر هنا على التصنيفات الأولية التي تحضر من خلالها
المرأة في اللغة من حيث التذكير والتأنيث والصفات التي يأتي بها
منطق التداعي والمعاني الإيحائية اللاحقة، فتلك حقيقة أصبحت من
بداهات البحث السميائي المعاصر، بل يشمل صيغ التمثيل وتقنيات الوصف
واستعادة الحدث وبنائه وفق إكراهات الفن السردي، الروائي منه على
وجه الخصوص. فمضمون ما يقال ليس مفصولا عن طريقة قوله، والكلمة لا
تقود بالضرورة إلى المعنى المنشود، فقد تُضَيِّع في طريقها جزءا
منه أو تلتقط ما سها الوعي عنه. ونحن، في جميع الحالات، لا نبحث عن
معنى، بل نبحث عن ظلاله؛ فالمرئي كالعري لا يغري، لأن الإغراء ليس
فعلا بل وعد بفعل.
التتمة |
|
الأنثى واللغة والكتابة |
|
لا يختلف وضع المرأة كثيرا عن وضع الأقليات والعبيد والمستعمَرين
وباقي مهمشي التاريخ. فهي مثلهم لا تحضر في العوالم التي صاغتها
الذاكرة الثقافية إلا من خلال صور الحسي في كل تجلياته. لقد صيغت في غيابها أو
ضدا عليها كثير من مناطق الوجود الإنساني، بما فيها بدايات الخلق
الأولى التي جعلت الرجل أصلا للوجود ومهاد الإنسانية كلها. فكلمة
الله ألقاها في نفس مريم، وعلم آدم الأسماء كلها. لقد وُضعت بين
يدي الرجل وحده أدوات التعرف والتحكم والتصنيف، ومن له الحق في
التسمية سيكون سيدا للكون. فالكلمات هي منافذ للتخلص من إكراهات
الجسد والانتشاء بالذات داخل عالم يعج بتصنيفات هي من صنع الرجل
وأحد إبداعاته. إن وعي الذات، في جميع الحالات، لا يمكن أن يتم
خارج اللغة وخارج قوانينها
في المفصلة الصوتية والتقطيع المفهومي.
التتمة |
|
الأدب الرقمي : جماليات مستحيلة |
|
لقد بنت جماليات
التلقي - وهي النظرية التي احتفت بالقارئ وجعلته شرطا أساسا في
تشكل المعنى وانبثاقه من سيرورات التلقي - كل تصوراتها على فكرة "
التجسيد" (concrétisation).
وأساس هذا التجسيد وجود بياضات نصية يقوم القارئ بتحيينها من خلال
الربط بين ذاكرات متعددة لعل أهمها ذاكرات النص والمؤلف والقارئ.
وهي المعادل لما يطلق عليه في نظريات التأويل، بتوجهاتها المختلفة،
القصديات المؤسسة للمنابع الأصلية للدلالات التي يمكن أن تكشف عنها
القراءات المتنوعة للنص.
إن " التجسيد" على
هذا الأساس، هو أصل التمثيل وأصل التلقي وأصل التأويلات الممكنة
للنص أيضا. فالقراءة هي في البداية والنهاية استثارة لتجارب ممكنة
مصدرها الأساس ذات القارئ، وليست تحيينا لدلالة مدرجة بشكل قبلي في
النص على شكل رؤية خاصة بالمؤلف وحده. إن الأمر يتعلق بشيء آخر غير
ما تحيل عليه الفكرة الساذجة القائلة بوجود معنى مودع في العمل
الفني على شكل سر لا يعرف مصدره وفحواه سوى صاحب هذا العمل، ( ما
كان يعبر عنه قديما وربما حديثا أيضا ب " المعنى في نفس الشاعر").
التتمة |
|
|
|
|