معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

أحـمـد الراضي - كلية الاداب مراكش

اغتيال الجسد و اغتيال المعنى

قراءة في شريط كارمين

 

 ينتهي الشريط بطعنة سكين في صدر أهم الشخصيات النسوية كارمين (Carmen)؛ ولم يكن صاحب الطعنة سوى قائد المجموعة الراقصة أنطونيو. إنه مشهد درامي عنيف لا يوحي باغتيال شخص لشخص آخر فحسب، بل يوحي أيضا، على مستوى نظري/ رمزي، باغتيال المعنى.ولا غرابة أن عملية القمع والكبح هذه مورست من طرف ذكر على أنثى. ذكر يملك سلطة القرار والحسم، وأنثى لا تملك إلا جسدها وشبقيتها. ورغم هذه الخصوصية، يمكن إضفاء أبعاد أكثر شمولية على هذا الموقف وذلك بطرح إشكالية السلطة على مستويات مختلفة وعلاقتها بوضع حد للمعنى: مجموعة الأطر التي تحاول تملكه، بدايات ونهايات، بنيات ومقولات، أسس ومسلمات وضعت خوفا من أي تسرب أوانفلات.فعندما أصبحت كارمين ذاتا مستعصية على الفهم والضبط، أي عندما اكتسبت، أوحاولت الحصول على استقلال راديكالي يمكنها من شق طريقها الخاص بها دون الاعتماد علي أنطونيو، وقع هذا الأخير في حالة نكسة وانشقاق. نكسة الشخص وانشقاق المعنى الموحد، الوحيد. فالعنف أداة الضعفاءأمام تعقد المعنى. إنها عملية بطش لا تؤمن بالآخر وبالاختلاف وبالتعدد، إنها تحاول تبسيط الأشياء بإرجاعها إلى نوع من الوضوح المصطنع. من هذه الزاوية تكتسب السكين إذن معاني رمزية قوية.بطعنة السكين وضع أنطونيو حدا لحياة كارمين وفي نفس الوقت وضع مخرج الفيلم كارلوس سورا (Carlos Saura) نهاية لشريطه وحدا لكل التساؤلات والترقبات والإشكاليات. لقد سقط هو كذلك في فخ ميتافيزيقا المعنى. ومن غريب المفارقات أن الشريط تتبع دقيق ونقد ضمني لعملية تحديد معنى وهوية الأشخاص والأشياء.

رغم هذه النهاية التقليدية التي لا تسمح بالتفتح والانفتاح على المستقبل والمجهول والتساؤل، فإن الشريط ينقد نفسه من خلال طرح لانهاية المعنى ولا محدودية الهوية، وأهمية التناقض والتعدد، وخطورة المركزية والتمركز. إننا نلاحظ، منذ انطلاق الشريط، الدورالقيادي الذي يقوم به أنطونيو، رغم أن مجال الرقص والغناء يختلف عن النمط العسكري. لا شك أن هناك وشائج من القرابة، إذ إن قيادة-مهما كانت سخيفة- فهي تحتوي بذورالتملك والتسلط. فأونطونيو يملك سلطة التنظيم والتسيير والاختيار. يظهر من ناحية أن هذه السلطة مشروعة نظرا للمهارات الفنية التي اكتسبها عن طريق الممارسة والتجربة: ممارسة الرقص الإسباني العصري وانخراطه في ثقافة شعبية غنية. أما من ناحية أخرى، فهناك تخوف المتفرج من أن هذه السلطة ستغزو فضاء قاعة الرقص ثم فضاء الشريط ككل. أين تقف سلطة ذلك القائد الذي يحدد مجال الرقص، ونوع الراقصين والراقصات ونوعية حركات وسكنات الرقص؟ شعوريا أو لاشعوريا لابد من أن يتخلل نصيب من الاعتباطية كل قرار وإجراء.

إن الانتقال من حكاية وأوبرا حول كارمين إلى رقص حداثى إسباني يعتمد على الجسد والحركة يتطلب اختيارا لراقصة معينة تتجسد فيها كل المعاني التي تروج في مخيلة أنطونيو. ولا بد لهذا الاختيار أن يعكس ذاتية الذي يختار وأوهامه، بمعنى آخر، إن أي اختيار يعكس سلطة أوعلى الأصح يمكن أن نتكلم عن سلطة الاختيار.إن الاختيار السابق أوالموازي لاختيارالراقصة كارمين يشوبه نوع من الضبابية والانطباعية. إنه من العسير الإجابة عن السؤال التالي: ما هي المواصفات الفنية التي يطلبها أنوطونيو من الراقصة التي يمكن أن تتقمص بنجاح شخصية كارمين كما توحي بها القصة والأوبرا؟ من الممكن أن ندخل في الاعتبار فنية الحدس. حدس من؟ حدس القائد الفريد المتفرد. في نهاية المطاف لم يختر أونطونيو كارمينه التي تستوفي ليس فقط شروطا، ولكن كذلك شروطا جسدية جاهزة في مخيلته.قبل عملية الاختيار نلاحظ نوعا من الاهتمام المفرط، والهوس بقضية تحويل الأوبرا إلى رقصة حداثية وذلك من خلال شغفه بالإنصات إلى آلة التسجيل دون الاهتمام بالصخب الذي يوجد حوله.لقد أصبح أنطونيو مهووسا بكارمين كفكرة وكصورة وكرمز. وهذا ما يفسر إبداعه ولكن في نفس الوقت سقوطه. عندما تصبح الفكرة متسلطة لا تنفي الأفكارالأخرى فقط ولكن تنفي كذلك الواقع المعيش، إذ على الواقع أن ينسجم مع تلك الفكرة. من هنا تبدأ عملية اختزال المسافة بين كارمين كشخصية في الأوبرا وكراقصة في الرقص الحداثي، ثم المسافة بين كارمين كراقصة وكشخص.إن معهد الرقص، رغم كل مظاهرالفن والبراءة الخارجية، أصبح جهازا مؤسساتيا مقطوعا عن العالم الخارجي، يخلق قنواته الخاصة التي تحدد معاني الجودة والجمال. إنه كغيره من الأجهزة المؤسساتية الأخرى يعتمد على هرمية وتراتبية صارمين، وعلى رأس هذا الهرم يوجد أنطونيو الذي يستعين في بعض الأحيان بنصائح مجموعة ضيقة من الأعوان لاتخاذ القرارت الحاسمة. لا نستغرب إذا كان هؤلاء الأعوان كلهم ذكورا. تجب الإشارة هنا إلى أن إشكالية السلطة هذه وتملكها من طرف الرجال تنطبق على مستويات متعددة من التشكيلات الاجتماعية والسياسية والدينية.

إلى جانب هذا التقسيم الهرمي، هناك تقسيم بين الجنسين؛ لا شك أن قوالب اجتماعية وتاريخية في المجتمع الإسباني هي التي خلقت هذا التقسيم بين الرجال والنساء، ولكن الرجال وعلى رأسهم أنطونيو يستغلونه لتثبيت مشروعيتهم كمخططين ومعقلنين لعملية الرقص في سيرورتها الفنية وما يلزم ذلك من قرارات القبول والإلغاء.

أما دور النساء في الشريط فيتحدد في ترجمة الأوامر والإرشادات إلى حركات راقصة وتماوجات ترضي قائد "السمفونية" أنطونيو. وفي هذا الإطار يمكن فهم قضية النظرة المحدقة المركزة (gaze). فأثناء عملية اختيارالراقصة التي ستلعب دور كارمين، انتقلت الكاميرا من تموضع أنطونيو المشاهد، المراقب الملاحظ، إلى أجساد راقصات المجموعة ولكن من خلال حركة بطيئة إلى جسد راقصة على حدة لتبرز محاسنها الفردية التي سوف لن ترضي أعين رئيس الفرقة.إن العلاقة الثنائية بين المشاهِد الذكر ،والمشاهَد الانثى، أي بين الفاعل وموضوع الفعل تكتسح مجالات فنية متعددة وعلى رأسها الرسم. أليست لوحة المرأة العارية من الممارسات الأكثر شيوعا في عالم الرسم؟ وكما يوحي به المثل الإنجليزي: >يوجد الجمال في أعين المشاهد(ة)< ( Beauty is in the eyes of the beholder) فلأعين أونطونيو كامل الصلاحية في اختيار مقاييس الجمال والرشاقة.

إن هذا التقسيم الصارم بين مجموعة الذكور ومجموعة الإناث يطغى على جل رقصات الشريط ويوحي من زاوية الجانب الحداثي في الشريط. بالانتقال الصعب من مجتمع كاثوليكي فرنكاوي إلى مجتمع يحاول التفتح على نفسه وعلى الآخر. لا ريب أن هذا التقسيم وهذه الهرمية يسهلان عملية تمريرالخطاب وضبط المعنى وتملك الآخر. إن أي اختلاط بين الجنسين من شأنه أن يحدث خلطا ولبسا في المعاني والمفاهيم والمقاييس.

لازالت كارمين ذاتا غريبة، مجهولة ومتوحشة، ولكن عن طريق التمرين يكسبها أونطونيو فعالية في الحركة ورشاقة في الإيقاع وسلامة في الرقص. إن عملية الترويض هاته تتم من طرف أونطونيو، فهو النموذج الذي يجب أن يتبع. فحركات كرمين مهما بلغ إبداعها الجسدي ما هي إلا إعادة وصدى لحركات أونطونيو الذي يقرن الرقص بالتوجيهات النظرية.إن كارمين، الذات المثالية التي تسكن لاشعور أونطونيو، أصبحت مجسدة في كارمين، الجسد النابض على أرض الواقع. فعلى الطريقة السوسيرية تم الالتقاء والائتلاف بين الدال والمدلول لكي يعطوا معنى معينا.هذا المعطى يتجلى في جمال كارمين وجمال رقصها وتقمصها لشخصية كارمين الأسطورة، ولهذه الأسباب وقع أونطونيو في حبها، حب عنيف لا يقبل الانقسام أوالتعددية. فهو يسعى لكي يصبح جزءا منها وهي جزء منه، وبذلك يتم التوحد الشامل.

في هذه النقطة بالذات يمكن الانتقال من علاقة الحب إلى إشكالية المعنى، وكيف تتم عملية خنق أنفاسه والتضييق عليه. إن الاختلاف والمغايرة والتناقض والتعددية تخلق إحساسا بالعذاب عوض لذة المعنى الواحد، الواضح المكتسب. لاشك أن رغبة قوية تحاول الرجوع الي مرحلة الطفولة حيث يكون الشعور بالوحدة وبالألم والكون شاملا.إن تاريخ الإنسانية مليء بأعمال العنف والحرب والدمار التي ارتكبت باسم السياسة (التوسعية) أوالدين (التعصب) أوالعرقية (الضيقة) حيث سعى الأفراد والجماعات إلى احتواء الآخر ومحو آثار الاختلاف التي تؤدي إلى التناقض الداخلي والانشطار.

في إطار هذا النص الأكبر، نص الثقافة بمعناها الواسع، يمكن فهم أونطونيو وإنسانيته، إذا لم نقل حتمية طعنة السكين. أثناء أحد التمارين الأولية ومن أجل تشجيع كارمين علي الذهاب إلى أقصى ما يمكن أن تعطي كراقصة، طالب منها "افترسيني" وهذه إشارة ضمنية إلى الافتراس الفعلي والمجازي الذي أصبح سجينهما. وبعد أول علاقة جنسية بين الحبيبين، سارعت كارمين إلى الذهاب إلي حال سبيلها في منتصف الليل. لقد ظن أونطونيو أنه عن طريق الوحدة الجسدية الممثلة في الجنس، سيرقى إلي الوحدة التامة، وحتي أثناء الرقص، تتكرر عملية تداخل جسديهما في حركية توحي بالانسجام والائتلاف. إن هذه النظرة المثالية قد سجلت بوضوح في صورة شريط الفيديو مع تأكيدها على تشابك الأجساد وخصوصا تشابك الأيادي والأصابع في حركة تنم عن وحدة شبه صوفية.

قد يقع الحب في مفارقات غريبة، فهو من ناحية قوة إيجابية تحمل نفسا رائعا للإبداع والسخاء الذي لا حد لهما. ولكن من ناحية ثانية، إن الحب والعشق يحملان بذورالعنف والدمارالمجسد في الامتلاك والغيرة والتعصب ونفي الآخر.

 

 

 
 
 

مجلة عــلامات

العدد 4 - 1995

المحتــوى

الافتتاحيـة

الإسـلام والمسرح: إقامة الدليل على حرمة التمثيل - حسن بحـراوي

أوراق أو التعبير عن انشغالات العروي الفكرية - عبد العالي بوطيب

التصويري والثيمي: مقاربة سيميائية - ترجمة: إدريس كثير

محور العدد: الجسد واللغة الإيمائية

الجسد، اللغة وسلطة الأشكال - سعيد بنگـراد

 الجسد الكرنفالي - ترجمة: حسن المنيعي

 الجسد والرغبة - ترجمة: محمد أسليـم

النص الغنائي بدرعـة: البناء والدلالـة - علي المتقي

اغتيال الجسد واغتيال المعنى: قراءة في شريط كارمين - أحمد الراضي

ذاكرة الجسد والهوية - ترجمة: حميد سـلاسي

الجثة واللغة والصور - ترجمة: أحمد الفوحي

مدخل إلى دراسة اللغة الإيمائية في المسرح - محمد العمـاري

نصوص حول الجسـد - محمود ميـري

مونتيني والحديث عن الذات - عبد العالي اليزمي

 
 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003