معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقـة تعريـف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع  خزانات الموقـع  صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

سعيد بنگــراد

سرد الصفات أو " سيرة" الهوى : " هذا الأندلسي" لبن سالم حميش

 

 

 

 

يمكن القول، إن الحكايات وحدها هي من أنصف العظماء، فقد قدمت حياتهم في شكل "جزئيات" و"مواقف" التقطها الناس في كل بقاع العالم وتغنوا بها بعيدا عن أحكام التاريخ وتعقيداته. وهو أمر يفسر إلى حد كبير الموقع الذي تحتله الأدبيات الخاصة بالكتابة السيرية في تاريخ الأنواع الأدبية. فهي" نوع غامض" يصنف عادة في موقع توسطي بين تاريخ يعتز بعلمية تجنح إلى التجريد والأحكام العامة، وبين "صيغة سردية" تحتمي بوقائع المعيش اليومي وتفاصيله ولا يمكن أن توجد إلا من خلاله.

لذلك، فإن السيرة، ذاتية كانت أو غيرية، ليست تاريخا، لأنها لا يمكن أن تبنى ضمن ما يقتضيه بناء" الحدث التاريخي" بكل إكراهاته، ولكنها ليست رواية أيضا، لأنها " تترفع " عن التخييل انتصارا لرغبة في صياغة قول " صادق" قائم على المعاينة والمشاهدة، وهو أمر لا يشكل، في نهاية الأمر، قيمة فنية في ميدان السرد الحكائي. والحاصل أنها لا تثق في النوعين معا، وترفض أن تصنف ضمنهما.

وهذا أمر لا يشكل سرا. فالسرد الروائي يبني مساراته استنادا إلى تصرف حر في الفضاء والزمان وصياغتهما وفق ما تشتهيه " شخصيات من ورق" لا امتداد لها خارج " النوع الثقافي " الذي يتحكم في طريقة إنجاز الفعل وفي أشكال تلقيه. أما التاريخ فيعري الشخصيات وينزع عنها ثوب التفاصيل والجزئيات التي لا يمكن لوجود السيرة أن يستقيم بدونها. وبين هذا وذاك هناك عوالم الفن وإكراهاته." فبناء عالم" سردي يقتضي الانتقاء والحذف والتضمين. وهي الحدود التي تميز الفنان عن النمامين وحكَّائي المقاهي.

استنادا إلى ذلك، يمكن القول إن الرواية تعطينا الشيء الوحيد الذي يزهد فيه التاريخ ويزدريه. فهاجس المؤرخ هو وضع اليد على حقيقة يتهددها النسيان ويُنَسِّبها تعدد الرؤى وتنوعها، لذلك لا يمكنه الوصول إليها إلا إذا تخلص من الزمن المشخص لكي يسكن المفاهيم المعممة. أما الروائي فلا يثق إلا فيما يمكن أن تشيده آليات السرد ضمن " العوالم الممكنة"، فهي البناءات الثقافية التي تستمد منها الأشكال الفنية مضامينها في الدلالة والتسنين الجمالي على حد سواء. وهو ما يعني، بعبارة أخرى، الاستعانة بما يمكن أن تأتي به عوالم المتخيل الذي يتخلص من الحقيقة من أجل إعادة صياغتها وفق قواعد فنية لا تثق أبدا في المنطق وآلياته الجافة.

وفي جميع الحالات، فإن القارئ لا يبحث في"الرواية التاريخية" عن أحداث يعرفها، إنه يبحث عن زمنية ثانية، أو عن زمنية تخص التفاصيل وحدها. وبعبارة أخرى، إنه يطمح إلى استعادة ما غيبه الدهر أو سها عنه، فالزمن" مبسط كبير" على حد تعبير فسلوفسكي. لذلك، فالروائية التاريخية، تعيد للزمن دفقه المعتاد من خلال السرد، إنها " تتحول إلى تخييل حتى وهي تحاول إعادة بناء ماض قابل للتعقل" (1).

أما الصيغة الثالثة فهي تلك التي يمكن أن ندرج ضمنها رواية بن سالم حميش الأخيرة " هذا الأندلسي"(2)، وهي صيغة سردية لا تصالح بين السيرة والتاريخ لكي تعيد رسم الفواصل والروابط بينهما، بل تقوم بتسريب عالم جديد يجمع بين إكراهات الفن الروائي الذي لا يمكنه أن يتخلص من عناصر التثبيت الزمني ببعديه الشخصي والجماعي، ولا يمكنه أن يتخلص أيضا من معطيات سيرية يستحيل تجاوزها إلا " بالنفخ" فيها من داخلها، وبين سلسلة من التصنيفات والأحكام التي تشكل، ضمن المتاح الفكري التاريخي، "رؤية خاصة" هي مجموع ما اشتهر به ابن سبعين الأندلسي ( نقرأ على هامش النص الروائي سلسلة من "العناصر" النصية التي قد يستعين بها القارئ من أجل " تصنيف" ابن سبعين وتحديد موقعه في قائمة الفلاسفة والمتصوفة، نصف هذه الأحكام مناصر لفكره ونصفها الثاني رافض له). 

" فهذا الأندلسي" رواية، بالسر وبالعلن، فلا شيء يجمعها بالتاريخ سوى مرجعية زمنية عامة تبني ضمنها أحداثها، فكل ما في الرواية يبدأ وينتهي ضمن ما تسمح به هذه المرجعية وتجيزه، وضمنها أيضا تتحدد خارطة الفضاء المُسرَّد في الرواية. وهي رواية أيضا، ولا شيء يجمع بينها وبين سيرة ابن سبعين الصوفي الأندلسي ( بطل الرواية ونقطة السرد المركزية فيها) سوى وفاء فني لهوية اسمية لا راد لإكراهاتها البيوغرافية التي تعج بها كتب التاريخ والفلسفة. إن مادة الرواية هي حياة " معلومة"، ولكن امتداداتها في المتخيل أوسع من تفاصيل وقائعها في التاريخ.

وضمن هذا التداخل تتسلل استراتيجية الروائي لكي تصوغ شخصية " مفردة" تستعيد" المطلق الثقافي" كما يمكن أن يتجسد في المفهوم الدال على "صفات" هي منطلق التسريد وأساس تطوراته اللاحقة. فهي تنزاح، من خلال آليات السرد الجديدة، عن الأصل كما يقدمه التاريخ ( ابن سبعين الصوفي الأندلسي الذي ولد بمرسية في زمن محدد، وتوفي بمكة في زمن محدد أيضا)، ولكنها تبنى ضمن التخييل السردي باعتبارها حالة منتقاة من بين حالات سلوكية أخرى يهملها النص الروائي كما أهمل التاريخ من قبل جزءا آخر منها. وتلك إحدى سمات السرد، فعوالمه لا تستقيم إلا من خلال التقليص المتتالي لممكنات الوجود ومظاهره. ولعل التركيز على ثيمة " المخطوطة" ( وهي ثيمة متداولة في كثير من الأدبيات السردية) واتخاذها منطلقا لسرد وقائع سيرة مخصوصة هو أحد المداخل للانتقاء السردي.

فمهما بلغت دقة الوصف والتقصي والتحري، فإن شيئا ما سيظل خارج ما يقدم في الرواية، فالحياة أوسع دائما من إرادة التمثيل السردي. والرواية المذكورة في نهاية المطاف، كما تدل على ذلك الصيغة التخصيصية أو التعجبية "هذا"، لا تخفي مراميها، فهي تنتقي ما توده، لا ما يقدمه التاريخ أو يعد به. فالعنوان لا يضلل، ولكنه لا يهدي أيضا، إنه يشير فقط إلى عمليات تقليصية من خلال صيغته التركيبية ذاتها. ف" الأندلسي" المقصود هنا هو شخصية من شخصيات الرواية، وليس إحالة على مطلق سيري مودع في اسم ابن سبعين. وعلامة التعجب وحدها كافية للتدليل على ذلك. وبعبارة أخرى، فإن الرواية لا تتحدث عن " كل " ابن سبعين، بل تعيد صياغة واحد منه هو بالضرورة حصيلة تركيب فني يتم داخل السرد التخييلي لا خارجه.

والروائي هنا، وفي باب التخييل السردي ذاته، لا يبتعد كثيرا عن المضافات التصنيفية التي يحضر من خلالها عادة بعض "مشاهير" التاريخ. فهؤلاء يتحددون من خلال صفات " مثلى" هي في الأصل سلسلة من المفاهيم العامة التي يتداولها الناس ويستندون إليها من أجل الحكم والتصنيف دون أن تصل أحكامهم إلى حد التجسد في رواية بطابع فني صريح: العدل والكرم، والصدق والوفاء والشجاعة وغيرها من الأدوار المودعة في صفات. لذلك، فإن الأمر لا يتعلق في هذه الرواية باستنساخ لموجز يخص هذه الصفات، بل هو بناء محكم تغذيه طاقات التوتر التي يمكن أن تشتمل عليها هذه الصفات كما سنرى ذلك فيما سيأتي.

واستنادا إلى ذلك، فإن المحكيات التي توضع في وقائع قصصية ليست سوى " استعارات " كبيرة لا يمكن أن تعيش إلا في المَثَل وضمن آلياته في الإحالة الأخلاقية أو التوجيه الإيديولوجي ( حكايات حاتم مع الكرم، وحكايات عمر مع العدل وحكايات عنترة مع الشجاعة...). لذلك، فإن حجم " الاستعارة" يقاس بعدد الحكايات في السرد لا بصِدْقِيتها في التاريخ. والعدد ذاته ليس كما معدودا، بل يتحدد من خلال قدرته على التناسل في السرد ( كل فعل دال على الكرم يسند إلى حاتم، وكل فعل دال على العدل فهو من نصيب عمر).

لذلك فما هو أساسي في  نص " هذا الأندلسي" ليس مادة تاريخية قابلة للحصر وقابلة للتصريف في وضعيات يمكن التعرف عليها خارج إكراهات " العلم"، وهو أمر ضلل من راح يبحث في الرواية عن حنين إلى أندلس ضاعت، بل هو الاستراتيجية السردية التي تسقط، رغما عن وقائع التاريخ، سلسلة من المسارات الجديدة التي لا يمكن أن تتولد عن حقائق ماضية، بل هي في الأصل إفراز لأحكام مدرجة في صفات بعينها : كل ما وصلنا عن ابن سبعين أو بعضه : العاشق الزاهد المتصوف المتنور المتسامح .... وربما هذا ما منعنا، رغم كل إغراءات التناظر، من الربط بين " ضياع المخطوطة" الذي تفتتح به الرواية، وبين "ضياع الأندلس" الذي يقود ابن سبعين إلى الخروج من مرسية متوجها إلى المغرب الأقصى. فالرواية لا تستثمر هذا الإمكان ولا تلتفت إليه.

وتلك هي الصيغة التي تخلص من خلالها الروائي من إكراهات الوقائع التاريخية، فالوقائع في النص لا قيمة لها قياسا لما يمكن أن يأتي به بناء سردي يوسع من دائرة " الفعل المدرج في التاريخ"، ففعل التاريخ حاف ويشكو من قلة الإحالات الذاتية ( التفاصيل الصغيرة)، وفي جميع الحالات بإمكان القارئ التعرف عليه في كتب التاريخ. وتخلص من خلالها أيضا من التاريخ الشخصي لابن سبعين ( بالإمكان استعادة هذه السيرة من خلال ما هو متناثر في كتب التاريخ والفلسفة والتصوف، وهي عناصر يمكن أن تقدم للقارئ ما خفي في الرواية أو ما تم إخفاؤه عن عمد من حياته)، وهو في جميع الحالات تاريخ " ملغوم" بحكم تضارب الأحكام وتناقضها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن ما سيتعرف عليه القارئ هو ابن سبعين " الجديد" كما تصوغه الرواية من خلال وضعيات منتقاة بدقة تبدأ بضياع المخطوطة والتحسر على مكنوناتها وتنتهي بلحظات موت بطيء لا يمكن لأي مؤرخ أن يقبل به، ولكنه يشكل عمق الاستراتيجية السردية، وهو ما يمنح النص الروائي خصوبته وخصوصيته. وبعبارة أخرى، فإن السيرة هنا ليست " ذاتية" كما يمكن أن توهم بذلك" الأنا" وما تحيل عليه سلطة الدوائر السردية المرتبطة بها، وليست أيضا سيرة غيرية مموهة تحاكي الأصل أو تخلص له في التفاصيل، إنها، على العكس من ذلك، سيرة تتم خارج " الزمن التاريخي" كما تعارف عليه الناس وتداولوه.

إن السيرة هنا لا تخلص للحدث، كما يدل على ذلك التطور الزمني المتصاعد، أو كما توحي بذلك الأحداث المروية دليلا على أن الرواية تسير إلى نهايتها، أو ما يشير إليه التنقل في الفضاء، أو الإشارات الزمنية ( زمن وصوله إلى سبتة ثم بجاية والقاهرة، وزمن مكوثه في مكة)، بل تتسرب إلى السرد في شكل مجموعة من " الأهواء" التي يتم تصريف بعضها في الحلم، ويتم تصريف بعضها الآخر في حلقات الذكر وإنشاد الأمداح، ويصرف البعض الآخر في عشق النساء والاستمتاع برفقتهن. و"الهوى" هنا، كما سنرى ذلك، ليس رديفا للزيغ الانفعالي الكاسح، بل هو سلسلة من الممكنات السلوكية المدرجة في الاسم والأحكام التي رافقته : الغوص في الذات بحثا عن يقين لا يمكن أن تأتي به أعراض الوجود، فالذات لا يمكن أن تكون مصدرا للفعل، إنها ترعى وجوده في الداخل الجواني.

إن " الهوى" المقصود في هذا السياق هو ما يمكن أن تحيل عليه سلسلة من" المواقف" بالمفهوم الصوفي للكلمة، حيث " الاندفاع" العاطفي نحو روح الأشياء وجوهرها لا يتم من خلال "حدث فعلي"، بل يتم من خلال حالة وجد قصوى تسكن الانفعال وتمنحه روحا خلاقة. وليس غريبا أن يتوقف السرد أو ينطلق أو يعرض عن الأحداث استنادا فقط إلى هذه الحالات. إن الأمر يتعلق بتعويض الوحدات الحدثية بأخرى تحتفي بالتأمل والانكفاء على الذات من خلال السرد لا من خلال ما يمكن أن يأتي به الوصف. ولقد أدركت الرواية سر ذلك، فعرفت كيف تصرف الفعل الحدثي دلالة على نمو داخلي، دون أن تضحي بطاقتها الأهوائية التي تعد مصدرا من مصادر بنائها. وكما سنلاحظ، فإن الرواية لا تكترث للمسارات السردية التي تعِد بمردودية حدثية، فتلك مسارات توجد خارج دائرة فعل الذات، وعلى العكس من ذلك، فإنها ترصد ما يعوق الذات على الانتشاء بالهوى كما يمكن أن يتحقق في التواصل بين ابن سبعين وطلابه مثلا ( في مرسية أولا، وفي بجاية ثانيا وفي القاهرة ومكة أخيرا).

يجب البحث عن سر هذا التراكب في الحد الفاصل بين الأهواء وبين تركيب سردي لا يثق سوى في الفعل. فالمعادل الموضوعي لكينونة " ذات الهوى" لا يتحدد من خلال حدث، بل يتحقق من خلال هوى " يشوش" على الفعل ويقلص من مداه ومن إمكانيات التحول داخله. لذلك، فإن "الهوى الصوفي" يخصي كل الأهواء ولا يحتفظ منها سوى بما يشكل طاقة التأمل التي تتم خارج الفعل لا داخله. وبعبارة أخرى، إنه مندفع من خلال حالات استيهام باطني يزدري الخارج، لا من خلال أدوار هووية محدودة في حيز حياتي مرئي في السلوك العادي لكائنات عادية. فالبطل الصوفي في الرواية ليس "إنسانا"، بل هو التجسيد الأمثل للإنسان الكامل، إنه كذلك من خلال حالات الوجد عنده لا من خلال الحدث الفعلي. وهو كذلك من خلال كمال سلوكي لا يأتيه الباطل من أية جهة.

وهذا ما يفسر الانشطار غير المرئي الذي تخضع له الرواية من أجل تشييد عوالمها. فما يصفه السارد، على مستوى التتابع الكرونولوجي، لا يستجيب سوى لما تقتضيه وقائع التاريخ، إن الاكتفاء بذلك لا يقود إلى أي شيء. أما ما يندرج ضمن السجلات الخطابية الخفية، فإنه يعود إلى المضاف التخييلي الذي يُسَرِّد " الحالات الوجدانية" دون غطائها الحدثي، وهو ما يشكل بؤرة نمو الفعل السردي خارج مقتضيات التاريخ. وهو ما يشكل " الشروط القبلية للدلالة" (3)، أي الأفق التوتري المدرج في الصفات التي لا يكف الروائي عن التذكير بها وتصريفها في وضعيات إنسانية تذكر بتسامح ابن سبعين وعشقه ونزاهته وتعففه أي بكماله. وليس من الضروري أن نتفق مع الوعي المركزي للسرد أو نختلف، فالنص لا يدعي تقديم حقيقة، بل يطمح إلى صياغتها وفق هواه....

إن الأمر يتعلق في واقع الأمر، وضمن آليات التسريد التي تخضع لها المضامين المجردة،" ببعد ثالث" يتوسط البعدين المعروفين : بعد " الحدث الفعلي" ( الوقائع المسرودة) و" البعد المعرفي " ( إحالات النص على معرفة أو قول كما يحضر في الوصف أو ضمن "المشاهد الثابتة" التي تقتضي قولا دون فعل). وهذا البعد الثالث يخص دوائر الوجدان وحالاته من قبيل" الشوق" أو "الحسرة" أو "لذة التقرب من الباري" عبر  الأذكار ( حكايته في القسم الثالث مع الششتري لا يمكن استيعابها إلا من ضمن هذا البعد). ويشكل هذا البعد الجديد النفق الذي تسربت من خلاله الرواية من أجل الإفلات من سلطة السرد التاريخي، رغم الإيهام بخلاف ذلك، والإفلات من سلطة المتداول عند الناس فيما يخص حياة ابن سبعين، رغم ما تشير إليه عناصر النص الموازي في الافتتاح والاختتام.

وذاك هو الفاصل بين ما يمكن استيعابه من خلال تركيب سردي يلتقط التحولات في العالم الخارجي، وبين حالات الهوى التي ترصد الانفعال في الذات المفردة. ف"الحالة" كما تقتضي ذلك آليات التركيب السردي تشير عادة إما إلى نقطة يرتكز عليها الفعل السردي من أجل إسقاط حالات وجود ممكن، وإما تحدد ما يمكن أن يستقر عليه هذا الفعل الذي يستوعب داخله كل ممكنات التحول. إنها الخطاطة السردية المعروفة التي يخضع لها كل بناء سردي يحتفي بأشياء العالم وسلوكات الشخصيات داخله، فلا يمكن تصور السردية خارج التحولات التي تقود من حالة إلى أخرى.

إن الأمر على خلاف ذلك في الحالة التي نحن بصدد تفصيل القول فيها، وفي كل حالات الهوى أيضا. فالرواية،كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، محكومة بإكراهات التاريخ، فلا حول لها ولا قوة أمام وقائعه، ومحكومة أيضا بمسارات سردية لشخصية مدرجة ضمن هذه الوقائع لا خارجها. لذلك فإن " الحالة" هنا لا يمكن البحث عنها إلا في " الهوى" الأصلي المودع في الدور الموازي الذي هو " الصوفي". وهذا ما يدفع الرواية إلى تمثيل حالات التصوف لا إلى رصد فعل يتطلب تصديقا بعديا، خارجيا أو داخليا. إنها حالة معطاة في الصفات، لا في الأفعال التي يمكن أن تصدر عن الشخصية أو تنسب إليها. "الحالة" الأولى دالة على "حالة الأشياء" والثانية دالة على " حالة النفس"  في التمييز الشهير لكريماص. والحاصل أننا ننتقل من إبدال إلى آخر. فلم يعد الأمر يتعلق بإحداث تغيير في "نظام الأشياء"، بل باستخلاص العبرة من " هوى" يسكن وجدان الشخصية، وهو ما يفسر سلوكها.

وهذا أمر مركزي في البناء الجديد للسيرة. فالرواية تجنح إلى صياغة الحدث استنادا إلى حكم يخص أدوارا مثبتة في سجلات بيوغرافية معروفة هي مزيج من الأحكام السلبية والإيجابية في الوقت ذاته تجاه ابن سبعين : التركيز على حالات الحميمية الفردية ( ريحانة في سبتة وقبلها بنات مرسية وأمامة في مكة)، والاستعانة بالحلم باعتباره مصدرا لفعل آت أو مفسرا لفعل سابق، الربط بين المخطوطة والحلم والمزج بينهما فيما يشبه حالات تماهي يحول الوجدان الصوفي إلى حالات استيهام مطلق لا يفصل بين معيش يومي وبين حالات حلم لا ينتهي. والخلاصة أن كل ما يقع في الرواية ليس في واقع الأمر سوى إسقاط لحالات يجب أن تقود، بهذه الطريقة أو تلك، إلى تشخيص مفاهيم موجودة في التصنيف التاريخي.

وهو ما يعني أن التسريد تنبثق عنه مقاطع حكائية هي من صنع " السارد البراني" الذي يضع " أنا" ابن سبعين مصدرا للقول ويضع نفسه صوتا خارجيا غير مرئي، ما يشبه المؤلف الضمني الذي يشتغل باعتباره استراتيجية في التوليد وفي أنماط التلقي. وقد نجح الروائي في هذا الربط من خلال تحرير السيرة من " الهو" الواصف الخارجي دون أن يمنح " الأنا" القدرة على الغوص في وقائع التاريخ خارج ما هو مدرج ضمن حياته المباشرة. وهذا ما يفسر، ربما، وقائع آخر مقطع من الرواية حيث تصف " الأنا" نفسها وهي تحتضر غير آبهة لما يدور حولها.

 فابن دارة ( ابن سبعين) يقول في النص الروائي ما يشتهيه وما يعتقده حقا ( في الرواية لا في السيرة "الحقيقية") ويدفع غيره إلى القول استنادا إلى فعل هو مصدره وهو من يرسم حدود قول الأعداء أو الأصدقاء على حد سواء. إنه انشطار في القول يُصَدِّق بعضه على البعض الآخر، فهو القائل وهو المفسر للقول، هو من يصدر الأحكام وهو من يرد عليها، وهو من يضع اللغز وهو من يفكه:

" هذا الأندلسي جاء ليفسد فتيان مصر، كما فعل من قبل في مرسية وسبتة وبجاية" ( ص399).

" هذا المتفلسف يقول بإفلاس أهل العلم والفتوى ويؤلب الناس عليهم لابد من لجمه وإيقافه عند حده " ( ص399)

" صفحاتي فيها – لو تعلم- كانت أشبه بأوعية أمدها أثناء نوماتي أو جذباتي، توقا إلى لآلئ مخبوءة في شمسي الجواني، أو في أمطاري الموهومة. ولما يحالفني التوفيق أصحو لتحريها ثم أبادر إلى معانقة الريح أو إرسال قبلات إلى النجوم في كبد السماء" (ص8).

وتلك أهم ميزات الرواية، فهي لا تنطلق من " فراغ"، أي من وضعية بدئية مفتوحة على كل الاحتمالات، كما يتم ذلك عادة في كل النصوص السردية التخييلية، حيث لا يستطيع القارئ التكهن بممكنات السرد اللاحقة، بل تنطلق من سلسلة من الأدوار الثيمية المحكمة البناء ( ما يطلق عليه في اللغة غير المتخصصة الأدوار الاجتماعية أو الأخلاقية : الكريم الصادق الصياد الكاذب... ). وهذه الأدوار هي ما سيتحكم، بشكل مفارق، في الاستراتيجية السردية التي تؤسس لوقائع التخييل استنادا إلى وقائع التاريخ.

وهي مفارقة تجد حلها نظريا في الفصل الصارم – والفني- "بين الاستراتيجية السردية" وبين " البرامج" التي يتم تصريفها من خلال فعل سردي تحاصره الضوابط التاريخية من كل الجوانب وتحدد له ممكناته بشكل مسبق. إن الاستراتيجية صنيعة من صنائع السارد وتتضمن رؤاه ومواقفه وخلفياته الإيديولوجية والأخلاقية. فالروائي لا "يسجل" وقائع، ولا يمتثل لتصنيف كلي، بل يحكم من خلال الانتقاء. فمن أجل بلورة صياغة جديدة للسيرة يجب اختيار ما يجب أن يحضر وما يجب أن يختفي وهي ما يمكن أن نطلق عليه الدائرة السردية المثمنة من الناحية الأخلاقية ( استقامة ابن سبعين وعفته ونزاهته ) ومن الناحية السياسية ( انحيازه إلى صف المدافعين عن الحق الإسلامي في وحدة الأمة خارج العسف، ومن الناحية الدينية ( تسامحه واجتهاداته التي تميل إلى اليسر) ومن الناحية الاجتماعية ( وسامته وماله وعلمه). والخلاصة أننا أمام سلسة من الأدوار الهووية ( من الهوى)، وهي، كما لاحظنا أعلاه، تنزاح عن " التركيب" الذي يشير إلى فعل يعد بتحولات، لتستوطن" حالات وجدانية" لا قيمة لها خارج لذة تلقيها. 

وعلى خلاف ذلك ما يتعلق ب" البرامج" التي تحدد ما يدرج في البداية وما يجب أن يشكل نهاية  تستنفد كل الممكنات السردية. فالبرامج هنا هي حكم من أحكام التاريخ. وبعبارة أخرى، إنها مرجعية سلوكية مدرجة في سجلات سابقة، ولا يحق للروائي أن يتصرف فيها إلا من خلال ما يمكن أن تبيحه استراتيجيته. لذا ليس غريبا أن تبدأ الرواية بحلم وتنتهي بحالة احتضار هي إلى الحلم أقرب منها إلى الموت، وبموت هو أقرب إلى الحلم منه إلى نهاية حياة. إنها البين بين، حياة في نهايتها وموت في بدايته، وفوق هذا وذاك حالة ثالثة تستوعب كل شيء كما يقول ابن سبعين نفسه: " واضرب عن الوهم والحس والخيال والعادة، واخرج عن لواحقك ومحمولك وموضوعك ... واطلب واحدك بوحدتك، واخرج عن وترك الخاص بك كما خرجت عن شفعك التابع لك، حتى يبقى الواحد " ( بد العارف).

إنها برامج توجد خارج التحكم السردي، ومهمة الرواية هي رسم سبل تخييلية تخترق التاريخي ذاته. لذلك، فإن الوعي المركزي للسرد لا يمكن رصده من خلال " الحدث"، فالحدث مرئي في النص التاريخي، بل يجب البحث عنه في " الهوى" الذي يتم الكشف عنه من خلال وصف جزئيات الحياة. إن أفق المعنى هو أفق التوتر الوجداني. فالقارئ لا ينتظر تحولا يلحق الذات أو يغير من مصيرها المعروف، بل يتلذذ بحالات التنامي التي لا تتوقف والتي تقود إلى رصد حالة موت " على المباشر"، كما تقول لغة التقنيات البصرية الحديثة.

" ... ومسك كبيرهم يدي اليمنى القابضة على الخنيجر فقطع به عروق يدي  اليسرى، ولم ينتبه إلا وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة، مرددا بصوت المحتضر : رب مالك..وعبد هالك ..ز ووهم حالك.. وحق سالك... وأنتم ذلك ... رب مالك ... وعبد هالك .. ووهم حالك ... وحق سالك " ص  501 . إنه آخر مقطع في الرواية.

إن الصوت السردي، الذي هو مركز كل الأحداث، يتحد مع رؤيته ضمن استثارة بصرية يتحول معها الفعل السردي إلى مشهد بصري تلتقطه نظرة المتلقي باعتباره كاميرا لا تسرد بل تنظر: إن الرواية تخلص لقواعد التمثيل البصري، فهي تبدأ بلقطة كبرى ( gros plan) ، بلغة السينما، حيث يحضر كل شيء من خلال عين ابن سبعين وصوته وهو يتلهف حسرة على ضياع مخطوطته، ثم يتخذ بعد ذلك شكل بانوراما ذات بعد وصفي لا تني تكبر وتتسع، ثم تأخذ في التقلص والتلاشي شيئا فشيئا لتتخلص من كل الأمداء، مدى الفضاء ومدى الزمان ومدى الشخصيات لكي تستقر على لقطة كبرى حيث يسلم  السرد مفاتيحه ويُسْلم ابن سبعين الروح إلى باريها.

وهو ما يشكل حالة توازي محكم بين ما تقدمه الرواية وهي ترصد أولى حالات" الشوق" إلى المخطوطة، وبين ما ترسمه نهايتها وهي " تصور"، بالمفهوم البصري للكلمة، حالة احتضار على لسان محتضر يعي أنه يحتضر. وبينهما يمتد أفق الفضاء الفاصل بين مرسية حيث الولادة وبين مكة حيث النهاية تعبيرا عن حالة تمزق قصوى لا يرصدها التاريخ ولا يلتفت إليها. وهو ما وصفناه بالأفق التوتري الذي يسكن معنى مدرج في الهوى الموصوف في الرواية.

-------

هوامش

1-Gérard Gengembre : Le roman historique, éd Klincksieck, 2006 , p95

2-سالم حميش : هذا الأندلسي، دار الآداب، بيروت، 2007

3 - A J Greimas, J Fontanille : Sémiotique des passions, éd seuil, 1991, p 83

 

 

 

 

 
 
 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقـة تعريـف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع  خزانات الموقـع  صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003