معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقـة تعريـف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع  خزانات الموقـع  صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

سعيد بنگــراد

عن التحرش الجنسي " والتحرش البصري"

 

   

 

نشرت جريدة المساء في عددها 950 ليومي السبت الأحد 10/11 أكتوبر 2009 ما سمته "تحقيقا" حول التحرش الجنسي في الجامعات المغربية. وهو تحقيق لا يتمتع بأية قيمة علمية ولا يستند إلى بحث حقيقي يمكن الاستناد إلى معطياته من  أجل تقويم الظاهرة والحكم عليها، إن كانت هناك ظاهرة حقا. ومع ذلك، فليست غايتنا في هذا المقام أن نعطي دروسا في العمل الصحفي لغيرنا ولا أن نرد على ما ورد في المقال ولا أن نشير إلى الضرر الذي يمكن أن يلحق سمعة جسم بأكمله يكد الآلاف من أفراده من أجل تعليم أبناء هذا الوطن، فتلك مهمة وزارة التعليم العالي والنقابات أو إدارات الجامعات المغربية التي يبدو أنها مهتمة كثيرا "بالبحث العلمي" ولا وقت لديها للدفاع عن "مستخدميها".

نود فقط أن نثير اهتمام إخواننا في هذه الجريدة إلى أن هذا "التحقيق" تضمن واقعة إبلاغية بصرية تثير الكثير من الاستغراب والدهشة، بل قد تقود إلى نتائج لا يمكن التكهن بكل تبعاتها. فقد تصدرت العدد "صورة –خبر" تمثل رجلا ينحني على امرأة في إشارة صريحة إلى أن الأمر يتعلق بأستاذ ينحني على طالبته. وهو ما تؤكده كل الشواهد المحيطة بالصور بدءا بالعنوان الذي كتب ببنط عريض وانتهاء بسلسلة العناوين الفرعية المصاحبة، وتؤكده أيضا حالات تلقي هذه الصورة في بعض الكليات حيث وضعت هذه الصورة مثلا، على مرأى ومسمع من مسؤولي كلية الآداب بمكناس، على سبورة حائطية "تعميما "، فيما يبدو، للفائدة وإسهاما في ترويج الإشاعات وتغذيتها ضدا على كل القيم الأخلاقية وعلى رأسها القيم الإسلامية التي تنهى عن الحكم على الناس بالشبهات، حتى يتبين الحق من الباطل.

فإذا كانت هذه الصورة تضم حقا أستاذا جامعيا وطالبة، فعليهما أن يبادرا من الآن إلى الاحتجاج على نشر صور تخصهما دون إذنهما ومن أجل خدمة غايات مغرضة هما منها براء؛ وإذا كان الأمر يتعلق بانتمائهما إلى جامعة بعينها فعلى رئيس هذه الجامعة أن يحقق في الأمر ويوقف الأستاذ عند حده وينتصر للطالبة المتحرش بها، فالصورة صريحة فهي تشير إلى وضع ملتبس، تؤوله العين الرائية وفق ما يقوله العنوان لا وفق ما يمكن أن يحيل على " تماس بيداغوجي بريء". إن اللفظي لا يخبر فقط، إنه يقترح تأويلا وحيدا للصورة.

إن الأمر في واقع الأمر لا هذا ولا ذاك. ولا علاقة لهذه الصورة بأستاذ ولا بطالبة ولا بما يحيل على المغرب أصلا، فالصورة منتقاة من سجل بصري ينتمي إلى ثقافة أخرى ووضع آخر ولا علاقة له بالأساتذة وبالطالبات ولا بالتحرش الجنسي. فالصورة هنا – عن قصد أو غير قصد- لخدمة غايات إقناعية لا يمكن أن تتحقق بكامل قوتها من خلال اللفظي وحده. إنها تحريض صريح ضد وضع يصفه "المحقق" لفظا ويحشو الخبر الموصوف بمضاف بصري لا يؤكده فحسب، بل يقوم بتقليص "حالات الجهل المفترضة" عبر ضخ شحنة من يقين العيان، كما يمكن أن تؤكد ذلك الصورة. فالصورة، كما هو متعارف عليه بين المتخصصين في الميدان، لا تخبر، بل تقول إن ما حدث "حدث فعلا"، إننا لا نخبركم، إننا نضع الشاهد أمامكم، وهو شاهد مزدوج : دال على" ركن الجريمة" ودال على " التلبس" فالصورة تفترض شاهدا لم يلتقطها فحسب، بل فعل ذلك ضمن شروط تدل على حالات تحرش جنسي يتم ضمن ما يسمى "بالشطط في استعمال السلطة "، والسلطة هنا معرفية. وهو شاهد عيان كما تدل على ذلك الصورة، فالتحقيق يمدكم بصورة تقصي كل ممكنات الشك في أذهانكم. إن اللفظي صامت وناقص وواجهاته هشة في الذاكرة، أما الصورة فتفرض على الذاكرة" مجسما" صالحا لاستيعاب كل الحالات الممكنة: كل أستاذ فيه شيء من هذه الصورة.

إن الصورة على هذا الأساس لا تقول لنا انظروا إلى رجل وامرأة يتبادلان معرفة أو كلاما أو همسا، أو ما تشاؤون مما يمكن أن تحيل عليه الصورة من خلال تقريريتها المباشرة، بل تقول: هذا وضع مشين يجب أن ندينه. إنها في هذه الحالة لا يجب أن تكون المعادل الصريح لنفسها، فهي في هذه الحالة لا تتجاوز حدود تمثيل مباشر لموضوع ، بل يجب أن تكون معادلا للموحى به ، بما فيها الغايات الإقناعية التي لا تتعلق بمضمون الصورة بل بالدفع إلى فعل، أي إلى اعتقاد في وضع تجسده الصورة بشكل كلي. وقد تتحول إلى " نمط بصري" يلاحق الذاكرة ويفرض عليها الحكم استنادا إلى ما تسرب إليها في غفلة منها أو في حالات صحو، لا استنادا إلى وقائع فعلية.

والحاصل، أن الأمر لا يتعلق بأستاذ، فالصورة دالة على جميع الأساتذة، ولا يتعلق بطالبة، فهي التجسيد الأمثل لكل الطالبات. وهذه الغاية المثلى من تسريب صورة من هذا النوع إلى سياق غريب عنها. فمن خلالها يتحول فجأة ما كان يشكل حالة معزولة مدانة في ذاتها كما يجب أن يدان التحرش بكل أشكاله كما يتم في الشوارع وأماكن العمل والإدارات العمومية، إلى قاعدة عامة، ويتحول التحرش، الذي هو نية فعل لا شروع فيه، إلى "فساد" منتشر في كل مكان يدعو إلى حرب ضروس ضده .

وها هي الصورة التي استعملت رديفا لخبر يخص ظاهرة معزولة ولا تمس في شيء أخلاق العاملين والعاملات في الجامعات، طلبة وطالبات وأساتذة، تتحول إلى صك إدانة صريح يشوش على العلاقة بين الأساتذة وطلبتهم ويشكك فيما يتلقونه في المعاهد والكيات.

  

 

 
 
 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقـة تعريـف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع  خزانات الموقـع  صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003