نشرت
مجلة " فكر ونقد " ، في عددها الثاني، اكتوبر 1997، مقالا هاما للاستاذ محمد مفتاح
بعنوان : "مفهوم الحقيقة عند ش . س بورس: الحقيقة المجتمعية" . وهو مقال يتناول
نظرية من أهم النظريات المعاصرة في مجال السميائيات، ويتعلق الأمر بالسميائيات
الأمريكية كما صاغها وطور حدودها السميائي ش. س . بورس . وقد اشتمل هذا المقال على
كثير من الآراء والمقترحات والمفاهيم والتصورات التي بدت لنا، رغم غناها وجدتها
وأهميتها، في أحيان كثيرة، مثيرة للجدل والنقاش وتحتاج إلى كثير من التروي. خاصة
وأنها لم تستند أبدا إلى نصوص صاحب النظرية، وهو ما يجعل من المقال في كليته
"تلخيصا" انتقائيا لمجموعة من "القراءات" التي أنجزها باحثون حول أعمال بورس، وليس
قراءة في سميائيات بورس. ولقد كانت "الخلاصات" و"التصنيفات"، التي لا تغني في أي
حال من الأحوال عن التحليل، نابعة من هذه القراءات وليست نتيجة تحليل لنصوص بورس.
إنه
تلخيص انتقائي لأنه ليس موجها نحو غاية معرفية واضحة تفيد القارئ في فهم أفضل لأحد
أبرز تيارات العصر في مجال الدراسات الإنسانية. ولقد طغى على المقال الهاجس
التصنيفي المسبق الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يحل محل النصوص التي تعد
السبيل الأوحد القادر على تسليمنا مفاتيح التصنيف. وسنقدم فيما يلي جملة ملاحظات لا
تنال من قيمة المقال ولا من قيمة صاحبه.
دون
أن نثير قضايا حول التصنيفات والتحديدات التي يوردها الأستاذ محمد مفتاح، ودون أن
نناقش مضمون عنوان المقال الذي لا نجد له أثرا في تلابيب التحليل وكذا في النتائج
التي توصل إليها، يمكن أن نثير مجموعة من التساؤلات حول بعض القضايا التي يبدو لنا
أنها تحتاج إلى الكثير من التوضيح والشرح خدمة للقارئ ومساعدة له في فهم تيار من
أهم التيارات المعاصرة في ميدان السميائيات. وفي سبيل ذلك سنكتفي فقط بتناول بعض
القضايا التي أشار إليها المقال دون الدخول في رد منهجي على كل ما ورد فيه.
1-
جهات الوجود والمقولات
بعد
سلسلة التصنيفات التي أشرنا إليها سابقا، ينتقل الأستاذ محمد مفتاح إلى تقديم بعض
المحاور الرئيسية التي قامت عليها نظرية بورس في "المقولات "و في "العلامة "وفي
مجموع "التصنيفات الخاصة بالعلامة" وبنمط اشتغالها. يبدأ هذه الفقرة بتحديد جهات
الوجود كما وردت عند بورس انطلاقا من آراء مجموعة من الباحثين محاولا الإشارة إلى
الأساس الفلسفي الذي صنف على أساسه هذا الوجود. وسنتوقف عند هذه النقطة موضحين
اللبس والغموض اللذين اعتريا تعاريف المقولات، وما ترتب عن ذلك من نتائج.
وهكذا يمكن في هذا المجال الحديث عن ثلاثة أنواع من الوجود يصفها بورس في علاقة
تراتبية كالتالي : 1) الوجود النوعي الموضوعي، 2) وجود الواقعة الفعلية، 3) ووجود
القانون الذي سيحكم هذه الوقائع استقبالا
( Ecrits sur le signe Peirce:ص
69). وتشكل هذه الأنواع محطات غير "مرئية "داخل إواليات الإدراك الإنساني: إدراك
الذات لعالمها الخارجي وتحويله من الممتد اللاعضوي إلى شيء مولد للمعنى. وعلى هذا
الأساس، فإن التجربة الإنسانية في مجملها يمكن النظر إليها من زاوية تداخل وتفاعل
جهات الوجود هاته. وبعبارة أخرى، فإن الأول والثاني والثالث، ( جهات الوجود المشار
إليها ) مقولات تشكل سيرورة مؤدية إلى إنتاج الفكر والقانون والضرورة، أي إلى كل ما
يمكن أن يشيد عالم الإنسان باعتباره عالما للمعنى في المقام الأول.
إن
هذه الأشكال المتنوعة للوجود تشير إلى ما يسميه بورس "المقولات الفانوروسكوبية"،
وهي مقولات تحدد من جهة نمط إدراك الكون ومراحله، وتحدد من جهة ثانية، موقع الذات
المدركة للوجود. من هنا، فإن الأولانية هي أولى مراحل هذا الإدراك، ولا تدرك إلا في
علاقتها بالثانيانية. والمقولتان معا لا يستقيم لهما وجود إلا من خلال دخول عنصر
ثالث يحدد صحة العلاقة القائمة بين المقولة الأولى والثانية، ويتعلق الأمر
بالثالثانية. من هنا، فإن ما يقوله الأستاذ محمد مفتاح عن الأولانية بأنها " وجود
الشيء في نفسه مرتبط بشيء من الأشياء، ولكنه ممتد في الأشياء المادية " ( التشديد
من عندنا ) ( المقال ص 55) بعيد كل البعد عن الروح التي تحكمت في التعريف البورسي
لها. فهذا التعريف يشكو من خلل كبير سيؤدي إلى تدمير النظرية في كليتها في حال عدم
الانتباه إليه، بل إن الاستمرار في عرض النظرية مع الإبقاء على هذا التعريف معناه
الحيد نهائيا عن الأسس التي قامت عليها. فالأولانية حسب النص البورسي هي " نمط وجود
كل ما هو وكما هو إيجابيا في ذاته دونما اعتبار لشيء آخر. إنها إمكان. فما دامت
الأشياء لا تتفاعل فيما بينها، فلا جدوى من القول بوجودها، إلا إذا كان هذا القول
يعني أنها موجودة في ذاتها ولذاتها"
(Ecrits sur le signe Peirce:ص
70 - التشديد من عندنا أيضا )، و" لا يمكن للأول أن يكون أولا إذا نظر إليه في
علاقته بثان
" Ecrits sur le signe Peirce:
ص 73،
إن ربط الأول بشيء آخر كما فعل ذلك الاستاذ محمد مفتاح سيفسد الترابط القائم بين
الأول والثاني من جهة، وسيجعل من معطيات الأولانية مدركة فقط من خلال الثاني.
والحال أن الأمر خلاف ذلك . فكما أن الثانيانية هي مقولة للوجود الفعلي، فإن
الأولانية مقولة للوجود المحتمل، القابل للتحقق ( أو غير القابل للتحقق). ويحدد
بورس مضمونها في شكلين ( أقول شكلين ) : "الأحاسيس" و"النوعيات" . فالإحساس هو "
نوع من الوعي الذي لا يستدعي أي تحليل ولا أية مقارنة ولا أية سيرورة، كما أنه لا
يتطابق كليا ولا جزئيا مع فعل يسمح لهذا الإحساس أن يتميز عن ذاك
" ( Ecrits sur le signe Peirce:ص
84). ومن جهة ثانية يحدد النوعية كـ " ظاهرة جزئية منظور إليها باعتبارها جوهرا ( )
لا علاقة له بأجزائه، كما لا يحيل على أي شيء آخر
" ( Ecrits sur le signe Peirce:ص
91). وهذه الأحاسيس هي : الفرح والسعادة والحزن والكآبة... والنوعيات مثل اللين
والرطب والناعم ... إن كل إحساس من هذه الأحاسيس له وجود في ذاته فحسب، لأنه مدرك
خارج أي تحقق (خارج أي سياق)، فمع الأولانية ينتفي الزمان والفضاء والحدود
والتخوم، لا شيء هناك سوى أحاسيس بلا رابط ولا ضابط ولا قانون. فماذ يعني الأحمر
قبل أن يكون هناك شيء أحمر؟، وماذا يعني الفرح قبل أن تكون هناك حالة إنسانية تصنف
باعتبارها فرحا ؟. إن الأحمر في ذاته لا يمكن أن يوصف، تماما كما هو الفرح الذي لا
يمكن تحديد مضمونه خارج واقعة تخبر عنه أو تجسده. " فالإحساس يجب أن يكون نسخة من
نفسه، وهذا معناه أن
هذا الإحساس نوعية للإدراك المباشر
" (Ecrits sur le signe Peirce:
ص
85). والإدراك المباشر في لغة بورس وتصوره هو نفي للقانون والضرورة : إن الحياة
تسير بلا قانون، ( سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد ). إن القول بـ "ارتباطها بشيء
آخر ممتد في الأشياء " كما يقول ذلك الاستاذ محمد مفتاح، معناه نفي لوجود الأولانية
من جهة، ونفي لوجود الثانيانية من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس يؤكد بورس " أن هناك
جهة نظر يبدو من خلالها عالم الظواهر كله وكأنه مصنوع من النوعيات المحسوسة. فما هي
هذه النظرة ؟ إنها تلك التي نتبنى عندما نحاول أن نهتم بكل جزء كما يبدو في ذاته،
وفي جوهره دونما اعتبار لارتباطات أخرى
" ( Ecrits sur le signe Peirce:ص
91).
إن
الأولانية على هذا الاساس سلسلة من المعطيات القابلة للتجسيد في ما هو خارجها. لذا
كان تعريف الاستاذ مفتاح للثانيانية (المقولة الثانية ) مبهما
وغامضا هو الآخر ولا يشير إلى وجود انتقال من الممكن إلى المتحقق.
وهكذا، عوض أن يقودنا منطق التعريف الذي حكم الأولانية إلى تحديد مضمون الثانيانية،
فإن العبارة الواردة في تعريف الاستاذ محمد مفتاح ، " حينما يتحقق الشيء ويصير
موجودا، فإنه من المرتبة الثانية، لأن ما وجد وجد بارتباطه مع شيء آخر ...." (
المقال ص 55) لا تعني أي شيء، أو تعني أن الأولانية شيء له وجود مستقل، والثانيانية
شيء أيضا له وجود مستقل هو الآخر. إلا أن الأمر ليس كذلك. فالقول بالانتقال من
الأولانية إلى الثانيانية، معناه أنك تقوم - دون إدراك منك - بنقل معطيات عالم
لتصبها في "أجهزة "عالم آخر، أي نقل ما تدركه كأولانية إلى ما تحسه كثانيانية، فما
كان مجرد أحاسيس ونوعيات مفصولة عن بعضها البعض يتحول إلى حقائق مجسدة : إن الثاني
يوفر للأول غطاء، ويمنح الأول الثاني "مادة". إن الثانيانية تفرض حدودا للأنا من
حيث إدراجها للزمان وللمكان وتأويل التجربة عبرهما. وبهذا المعنى يجب فهم التعريف
الذي يقدمه بورس للثانيانية باعتبارها " نمط وجود الشيء في علاقته بثان"
( Ecrits sur le signe Peirce:ص
70 ). وليس غريبا أن يتحدث بورس مرارا عن الواقعة أو الحدث عوض الشيء أوالموضوع.
فالواقعة أكثر عموما وشمولا من الشيء. إن الشيء يوحي بمادية ثابتة منفلتة من
التصنيف، أما الواقعة فتشتمل على "الصراع" و"المقاومة". ولهذا نزع بورس عن
الثانيانية " طابع العمومية والأزلية (...) فإقصاء هذين العنصرين يترك للواقعة
أولا ما يسميه المناطقة بـالعرضي، أي ما يحدث عفوا ويترك لها في المقام الثاني كل
ما يستدعي الضرورة المشروطة، أي القوة بدون قانون أو عقل، القوة الغفل
." ( Ecrits sur le signe Peirce:
ص 97).
فكيف يمكن للشيء أن يتحقق ويتحول إلى ثانيانية ؟ . ليس خاف على الاستاذ محمد مفتاح
أن الظاهرة عند بورس هي إحساس أو نوعية أولا، ثم هي واقعة ثانيا، ثم هي قانون
وضرورة ثالثا. ولذا لا يمكن القول عن " الشيء إنه عندما يتحقق يتحول إلى ثانيانية"،
لأن الشي متحقق كأحاسيس أو نوعيات، وهو متحقق كواقعة، ومتحقق باعتباره قانونا.
وعلى
هذا الأساس يجب فهم "جهات الوجود" التي يشير إليها بورس والتي أوردها الأستاذ محمد
مفتاح في مقاله. فالقول بأنماط ثلاثة للوجود لا يعني الإحالة على عوالم منفصلة عن
بعضها البعض، أو أن الأمر يتعلق بكينونات تسبح في أكوان مختلفة. إن الأمر لا يعدو
أن يكون مظاهر وسيرورات تقود من " المبهم والغامض واللاعضوي والمباشر والحر" (
بورس)، إلى الواقعة الصافية التي لم "يلوثها" بعد الفكر والقانون والضرورة
والدلالة. فرغم وجودها العيني فإنها توجد خارج الضبط: نقول بلغة واضحة إنها موجودة
ولكنها غير قابلة للاستعادة من خلال قانون يستولي على جوهرها ليهذبه ويحوله إلى
ماهية قابلة للتعميم كما كان يقول إ . سابير. وهذا موقع الثالثانية ضمن دائرة
الإدراك المركب (المقولة الثالثة داخل الفانوروسكوبيا).
إن
عدم الانتباه إلى الطابع المركب للفعل الإدراكي الذي يقود الذات المدركة إلى التخلص
من العالم الخارجي عبر استيعابه كقوانين، أي تمثله كسلسلة من النماذج المؤدية إلي
استحضار التجربة عبر وجهها التجريدي، أمر سيؤدي إلى كثير من سوء الفهم. وبعبارة
أخري يمكن القول إننا أمام حالة انفلات الـ "أنا" من ربقة الـ "هنا" و"الآن" عبر
الامتلاك الرمزي للكون. ( لنلاحظ أن بورس في نصوص سابقة عن 1903 كان يتحدث عادة عن:
النوعية والعلاقة والتركيب، وأحيانا أخرى عن الإحساس والوجود والتوسط
).
وواضح أن التعريف الذي يورده الاستاذ محمد مفتاح للثالثانية غريب عن فكر بورس
وطريقة البرهنة لديه. ( لا يحيل الأستاذ مفتاح، كما أشرنا إلى ذلك، على أي نص من
نصوص بورس في التعاريف التي يقدمها لهذه المقولات !!! ). وبدل أن يلتفت إلى مضمون
المقولة من خلال موقعها من الظاهرة ككل، أي في مراحلها الثلاث، يأتي الأستاذ محمد
مفتاح بالمجتمع ( الذات المدركة ربما ) الذي " يتبنى الموجود ويجعل منه قانونا
عاما ملزما، أي ثالثانيا ". وكما يشير هو نفسه، فإن الثالثانية هي الأصل في الإدراك
( أو على الأقل أهم عنصر داخل سيرورة تقود من الأول إلى الثاني عبر الثالث ). إنه
التوسط الإلزامي الذي يجعل من الظاهرة قانونا يمكن سحبه على مجموع الظواهر
المشابهة، ولا دخل للمجتمع هنا، بل يعود الأمر إلى قوانين تشتغل عبرها الظاهرة.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم التعريف الذي يقدمه بورس للثالثانية على أنها " تحدد نمط
كينونة ما يقوم بإقامة علاقة بين الأشياء والربط بينها
" ( Ecrits sur le signe
ص
72).إن " كينونتها تتحدد في أنها تقوم بمنح النوعية ردودا للفعل
" ( Ecrits sur le signe
ص 99)
في أفق إنتاج القانون، و"القانون هو الطريقة التي يتزىى بها المستقبل اللانهائي
ضمانا لوجوده " (انظر هامش
Ecrits sur le signe
ص 98).
وعلى
هذا الأساس، فإن الثالثانية ليست " مفروضة من الطبيعة " ولا" فرضت على الطبيعة "
كما يقول الأستاذ محمد مفتاح( المقال ص 56)، وإنما هي منبثقة من الظاهرة نفسها.
فالقانون لا يكون قانونا لنفسه، ولا يمكن لأي قانون أن ينتج نفسه بعيدا عن نسخ
خاصة، فهو كذلك استنادا إلى وجود ظاهرة هو أصلا منبثق منها. فلا يمكن أن نتصور
قانونا سابقا على الظاهرة. فالفكر لا يعد نوعية ولا واقعة " فلا يمكن لرزمة من
الوقائع أن تشكل قانونا "، ذلك أن القانون يتجاوز الواقعة المنجزة ليحدثنا عن نمط
وجود الواقعة استقبالا". ( انظر
Enrico Carentini : Action du signe ,p18 ).
وهذا ما
دفع بدولودال - أحد أبرز دارسي بورس في فرنسا- إلى القول بأن " الأولانية
والثالثانية من طبيعة واحدة من حيث العمومية، إلا أن الأولانية هي احتمال، في حين
إن الثالثانية هي قانون. فالثالثانية هي مقولة العلاقة الناتجة عن فكر ليس من حيث
بعدها التجريدي، ولكن من حيث موقع الفعل المستقبلي داخلها. إنها مقولة " التنبؤ"
العلمي. فهي تستدعي أولا وثانيا لتصنفهما في علاقة (...) وهي على هذا الأساس مقولة
التوسط بامتياز، ومقولة العلاقة والمفاهيم والاستمرارية. وباعتبارها مقولة للعلاقة
والمفاهيم فهي مقولة الدلالة
" ( Ecrits sur le signe
، تعليق
دولولدال ص 209 - 210، ).
على
أساس هذه النظرة التركيبية الكلية يجب فهم تفاعلات المقولات الثلاث وفهم طرق
اشتغالها، والأساس الفلسفي الذي قامت عليه. فالأمر لا يتعلق بظواهر طبيعية معزولة،
بل يتعلق بكينونة الإنسان ونمط إنتاجه لأفعاله ولثقافته. فالاستناد إلى هذه
المقولات، في تصور بورس على الأقل، سيقود إلى فهم كيفية تبلور الكينونة الإنسانية.
إن أية محاولة لتحديد هذه الكينونة من خلال ما توفره الأولانية من معطيات تصب في
قوالب الثانيانية، لن تقود إلا إلى العبث، أي إلى تصور كائن بشري بلا ذاكرة ولا
ماضي ولا مستقبل : إنه لحظي (حاضر) ولا تتحكم في أفعاله وما تنتجه من ردود سوى
مثيرات لحظية تنتهي بانتهاء زمانها واختفاء فضائها. من هنا كان تصور بورس لمقولة
ثالثة تقوم بإسقاط الممكن، ولا يمكن فعل ذلك إلا من خلال إدخال الفكر. ولهذا كانت
الثالثانية مقولة القانون والضرورة التي تجعل تصور الأشياء والأفعال المستقبلية
أمرا ممكنا.
بل
إن الصرح السميائي البورسي برمته لا يمكن أن يفهم إلا في علاقته بهذا التصور
الفينومينولوجي لنمط بناء الإدراك وإنتاج الدلالة. ففي الميدان السميائي ستتجسد
السيرورة العلائقية الناتجة عن تفاعل المقولات الثلاث، وعبرها سيتم تصور العلامة
وعناصرها وتفريعاتها ونمط اشتغالها. فانطلاقا من جهات الوجود هاته، ستبنى العلامة
السميائية باعتبارها كيانا ثلاثي الأبعاد : أولانية وثانيانية وثالثانية. ولا يمكن
أن يختصر في عنصرين. وهذه العناصر الثلاثة هي اختصار للخطاطة الإدراكية العامة فيما
يشكل الأداة المادية ( الرمزية كما كان يقول كاسيرير ) للتواصل والتفاعل وإنتاج
الدلالات المتنوعة. إن هذا التحول من الظاهرة الإنسانية في عموميتها إلى العلامة هو
مدخلنا إلى تحديد الملاحظات الخاصة ببناء العلامة كما وردت في مقال الأستاذ محمد
مفتاح.
2-
المقولات والعلامة السميائية والسميوزيس.
يفترض مضمون مقال الأستاذ محمد مفتاح مفهوما ومنطوقا " الحقيقة عند ش . س . بورس :
الحقيقة المجتمعية "، الاستناد في المقام الأول إلى مفهوم العلامة عند بورس .
فالعلامة هي المدخل الرئيسي نحو تحديد منهاج للفكر والمعاملة والتواصل. فلا حديث عن
فكر سابق على العلامات ولا حديث عن إدراك للكون خارج ما توفره العلامات، ولا حقيقة
هناك إلا من خلال ما تجود به العلامات ضمنا وتصريحا. إلا أن الاستاذ م. مفتاح لم يف
هذا الجانب حقه من التحليل. وهكذا ضاعت الحقيقة التي جاء يبحث عنها في تصنيفات لا
تقدم ولا تؤخر. ويتجلى هذا التقصير في نظرنا في جانبين : تحديده للعلامة ككل من
جهة، والتعريف الذي يعطيه للمؤول من جهة ثانية. وكما سنرى لاحقا، فإن الأمر لا
يتعلق بعملية تقنية تقودنا من عنصر إلى آخر بهدف تقديم مفهوم عادي يستعمل هذه
الأيام بكثرة ونعني به العلامة، بل إننا أمام تساؤل حول المعنى ونمط إنتاجه وتداوله
وانتشاره بين الأمم: هل المعنى معطى قبلي وسابق على الفعل في صورة مفاهيم ألقي بها
للتداول من لدن قوة لا حول لنا ولاقوة تجاهها ؟. أم أن المعنى سيرورة تربط بين
الإنتاج وشروطه ضمن فعالية ضامنة لتجدد المعنى وغناه ؟ يبدو لي أن هذين السؤالين
يشكلان الحجر الأساس في فهم التصور البورسي للعلامة باعتبارها كيانا لا يدرك إلا
داخل مفهوم أعم وأشمل "السميوزيس"(
sémiosis). "
ذلك أن
هذا المفهوم ( السميوزيس ) لا يوجد في أساس التفكير الإنساني فحسب، بل يوجد في أساس
الإدراك والانفعال والانتباه والعادة
" ( David Savan in : Peirce : Textes fodamentaux de la sémiotique , p 12ص
12).
والسميوزيس هي سيرورة تدليلية يشتغل داخلها شيء ما كعلامة. ومفاد هذا الكلام أننا
لا نتعاطى مع الدلالة باعتبارها "كنزا مرصودا لا يفنى "، بل هي إنتاج متواصل عبر
تفاعل مستويات يحددها بورس في الماثول والموضوع والمؤول. إن الترابط بين هذه
العناصر والإحالات التي يستدعيها كل عنصر على حدة هو ما يشكل عالم الدلالة الذي لا
يقف عند حد بعينه. فالسميوزيس سلسلة من الإحالات من علامة إلى أخرى وهكذا دواليك
إلى ما لا نهاية( سنلاحظ فيما بعد أنها محدودة). ووفق ثلاثية الإدراك السابقة (
المقولات)، فإن الأول يحيل على الثاني عبر الثالث. ومن هذه الزاوية يجب فهم التعريف
الذي يقدمه بورس للعلامة: " إن العلامة أو الماثول شيء يعوض عند شخص ما شيئا ما
بأية طريقة وبأية صفة. إنها تتوجه إلى هذا الشخص لتخلق عنده علامة موازية أو علامة
أكثر تطورا، وأسمي هذه العلامة مؤولا للعلامة الأولى. إن ما تقوم هذه العلامة مقامه
هو الموضوع. إنها لا تقوم مقامه من جميع الجوانب، بل هي كذلك من زاوية أسميها
العماد "(
Ecrits sur le signe Peirce:
ص 121).
نحن
إذن أمام ثلاثة عناصر مختلفة، لكن لا يمكن لأحدها أن يشتغل دون الآخر: الماثول أداة
للتمثيل، والموضوع ما يقوم الماثول بتمثيله، والمؤول أداة التوسط الإلزامي بين
الأول والثاني. وتشكل هذه العناصر الثلاثة القاعدة الأساس لإنتاج الدلالة وتداولها،
فلا يمكن فهم الدلالة دون الاستناد إلى هذا البناء الثلاثي.
استنادا
إلى هذا التوزيع الثلاثي، تبدو الدلالة نتاجا لتضافر ثلاثة عناصر
يحتل المؤول داخلها موقعا مركزيا. فهو الذي يحدد للعلامة صحتها، إنه عنصر التوسط
الإلزامي الذي تتم عبره الإحالة الدائمة من ماثول إلى موضوع. إن غياب المؤول معناه
إنتاج وقائع تنتهي بانتهاء شروط إنتاجها، تماما كما هو الشأن مع الثالثانية،
فغيابها تدمير لأي ضبط دائم لمسار الحياة وتطورها. وما أثارنا حقا في مقال الأستاذ
محمد مفتاح هو الطريقة التي قدم بها المؤول ( العنصر الثالث داخل العلامة ). فقبل
أن يعرفه، وقبل أن يحدد موقعه داخل سيرورة إنتاج الدلالة، انتقل إلى تحديد أنواعه
التي حاولنا أن نبحث لها عن أثر في تراث بورس دون جدوى. وقبل أن نناقش هذه التعاريف
نقدم ما ورد في المقال. يقول الأستاذ محمد مفتاح
:
"
المؤول المباشر هو عبارة عن علامة تؤول علامة إلى ما لا نهاية ... أي أن الكلام
ينتج الكلام، المترادفات، البيت الأول يؤول البيت الثاني، القصيدة الثانية تأويل
للقصيدة الأولى.
-
المؤول الدينامي هو مجرد شيء ممنوح عند الله ينزله على ذهن المؤول.
-
المؤول النهائي متعال، فهو لا يبعد أن يكون إلهاما أو حيا ( يبدو أن الأستاذ محمد
مفتاح يريد أن يقول وحيا ) أو قضاء وقدرا، لا دخل للإرادة البشرية فيه، فالمؤول
النهائي سائر نحو " علة غائية" أو " مقصدية"، في تطور ذاتي " المقال ص 63.
وقبل
أن نقدم التعريف الذي يعطيه بورس لـ "مؤوله"، يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:
أ -
إننا أمام تعاريف لا تحيل على نصوص بورس، كما أن مضمونها غامض، وهذا ما يجعل منها
تصدق على أي شيء
.
ب -
ما الفرق بين المؤول الديناميكي الذي هو " مجرد شيء ممنوح عند الله ينزله على ذهن
المؤول" وبين المؤول النهائي الذي " لا يبعد أن يكون إلهاما أو وحيا أو قضاء وقدرا،
لا دخل للإرادة البشرية فيه، فالمؤول النهائي سائر نحو
"
علة غائية" أو " مقصدية"، في تطور ذاتي"؛ فالتعريف الثاني يصدق على
التعريف الثالث، فلا فرق بين " الشيء الممنوح من عند الله" وبين " الإلهام أو الوحي
أو القضاء والقدر الذي لا دخل للإرادة البشرية فيه " ، فالأمر في الحالتين معا
يتعلق بمعرفة محايثة توجد خارج الفعل الإنساني ، وكما سنرى ، فإن الأمر على النقيض
من ذلك.
ج - يشير الأستاذ محمد مفتاح في الهامش 35 إلى أنه لم " يعثر على
بحث في موضوع المؤول النهائي ....."، ص 63 ، والحال أن الأدبيات البورسية تعج
بدراسات بالغة التنوع حول هذا الموضوع، بل يمكن القول إن الدراسات الحديثة في مجال
الدلالة والقراءات تستند في تصورها النظري إلى مفهوم المؤول والمؤول النهائي
بالتحديد، ونحيل القارئ على البعض منها تعميما للفائدة:
: Lector in fabula
Les limites de
l'inerprétation