1 . هذه المسلمة
…
وتلك الفرضية
سأنطلق في هذه الدراسة من مسلمة وفرضية شكلتا مدار تأملات
تحليلية أغنت نظرية الأدب والرواية على حد سواء :
أ . المسلمة : تقبل كل كتابة أدبية بوجود تأثير للحياة
الاجتماعية ، ولا يمكن الاعتراض على هذا التأثير سواء اعتمدنا
التفسير الاجتماعي للعمل الأدبي أو قبلنا بدراسة الرواية بوصفها
تعبيرا عن تجربة فردية أو ذاتية . من السهل التدليل على هذه الفرضية
والإتيان بالبراهين المبينة لصلة الكتابة الأدبية بحياة المجتمع .
بيد أن فهم العمل الأدبي والروائي وحصره في مجرد علاقة لا تخفى
ضرورتها عليه أن يتجاوز كل فهم تبسيطي يقرّب مقاصده من نوايا الكاتب
.
ورغم ذلك ، نعلم اليوم - وربما أكثر من أي وقت مضى مع تقدّم
مناهج التحليل ومفاهيم التأويل - أن صلة الإبداع الأدبي بمحيطه
الاجتماعي والتاريخي هي من القضايا الفكرية المستعصية على التدقيق ،
وقد نتجت عنها استعمالات نظرية ومنهجية ذات مفاهيم تنتمي لعدة حقول
معرفية : اجتماعية ونفسية وفلسفية … ولذلك ، فإن ما تقتضيه تلك الصلة
حين يتعلق الأمر بالخطاب الحكائي ، الانتباه إلى حالة من التخييل
المركب : ظاهر ومضمر ، متحقق ومحتمل ، محايد ومباشر ، لولاها يظل أي
تصوّر للتخييل الحكائي بعيدا عن امتلاك قيم ثقافية نوعية ودالة .
لكلّ حالة حاجة بموجبها نستبدل حديثنا عن " الرؤية الضمنية "
للعالم لدى الكاتب ب" رؤية معلنة " تجعلنا موقنين أن كتابة الحكاية
لا تكون إلا وهي تصاغ على حدود المعلوم والمجهول، أي على حدود
الحقيقي والمزيف . ولعل الكاتب الروائي حين يكتب يراهن على حكاية
مفترضة لتمرير حقيقة ما . إن الروائي - حتى وهو يبدع الخيال - يقول
الحقيقة ؛ ففي كل كتابة تخييلية هناك نواة للحقيقة . وقد دأبنا في
تحليلاتنا على تسمية تلك الحقيقة ب " هموم الواقع " ، و" معضلات
المجتمع " ، و " انسداد الأفق " ، و " قساوة الراهن " و " التمرد على
القيم المزيفة " ، و" التعبير عن أحاسيس الذات والكينونة "
…
حتى أضحت هذه الحقائق من فرط تكرارها في الأحاديث والتحاليل مسلمات
فارغة من أي محتوى وكلاما لا طائلة من ورائه . ورغم ذلك ، لا يمكننا
إغفال هذا المعطى الذي يقرن كل تصوّر لكتابة الحكاية بتشخيص معين
للحقيقة . قد يعترض أحد فيقول : عن أية حقيقة تتحدث ما دامت حقيقة
النصوص ليست معطاة وإنما هي مبنية ، ليست صورة جاهزة بل رؤية خادعة .
هذا اعتراض وجيه أدعمه ببعض الأسئلة :
كيف يقتحم السارد حياة المؤلف الروائي ويحوّل جزءا من
تفاصيلها الواقعية إلى حكاية وهمية ؟ ثم ما الذي يدفعنا - نحن معشر
القراء - إلى تصديق تلك الأوهام وأخذها مأخذ الجدّ والحقيقة ؟ لماذا
نثق في السارد ونحن نعلم أنه من الصعب أن نـثق في أيامنا هذه بأحد ؟
لماذا يجب أن تكون الرواية وفية لواقع ما ، ولحقيقة ما ، وبطلها أو
ساردها متخيل وحـبكتها متخيلة ؟ كـيف توهمنا الرواية أن أحداثا
وشخصيات وجدت بالفعل في الماضي والحاضر على السواء ؟
ب . الفرضية : من الادعاء المجاني والمغرض القول بإمكانية
الإلمام - على الأقل في هذا المدخل العام - بمجمل خصوصيات المسار
الإبداعي للكاتب عبد الكريم غلاب ، خاصة حين يتعلق الأمر بتركيز
التفكير حول أسئلة تتجاوز في أساسها مسار كاتب مفرد وتلحقه - من
زاوية التصوّر - بسياق تاريخي واجتماعي يؤشر على حالات ثقافية وفكرية
تحضن الإبداع الأدبي وتبرر ضرورته وجدواه ، وتسهم في تحديد ماهية
الأدب ووظيفته كذلك . من هنا أفهم هذه العودة المستمرة للنظرية
الأدبية لتوسيع أسئلة الكتابة الأدبية وتوفير سبل جديدة تلامس
علاقتها بالواقع والتاريخ وحقائق الحياة . ولأجل ذلك ، من الصعب
اعتبار النصوص الأدبية كيانات مستقلة عن تجارب أصحابها وآفاقها
الاجتماعية والتاريخية التي تنتسب إليها . من هذه الناحية ، يمكن
القول إن قيمة الأدب لا تكمن في محاولة بيان كيفية انتصار المثال على
الواقع، بل تكمن في العلاقة التي يقيمها الأدب مع تعدد الواقع في
الزمان والمكان بهدف بلورة موقف معين على صعيد الثقافة والمجتمع .
لماذا اختار عبد الكريم غلاب كتابة الأدب السردي رواية وقصة
قصيرة خاصة ؟
لنتفق أن الأمر لا يتعلق بهبة تنزل من السماء ، لأن النصوص
الأدبية عادة ما تتضمن هوية كاتبها ، وحياتها لا تقع فقط ضمن هذا
الحدّ الفاصل بين الواقع والخيال ، أو بين الخيال الذي يصير واقعا ،
والواقع الذي أمسى أكثر غرابة من الخيال .
يبدو لي أن استحضار تلك المسلمة وهذه الفرضية سيضيء لنا بعض
الاعتبارات المتعلقة بمسار كاتب من عيار الأستاذ عبد الكريم غلاب
والذي اقترن اسمه بتجربة خصبة في مجال الكتابة الروائية والقصصية
بالمغرب . إن قيمة نصوص غلاب تكمن في كونها شاهدة على مرحلة تبحث عن
تلاؤم يمكّن هوية الذات من أن تطابق هوية واقعها الاجتماعي والتاريخي
، أي يمكّن التجربة الذاتية من أن تطابق التجربة الأدبية .
2 . هل كتب عبد الكريم غلاب سيرته الذاتية ؟
مبرّر واحد لطرح هذا السؤال لفت نظري وأنا أطلع على الأعمال
الكاملة التي أصدرتها وزارة الثقافة والاتصال بالمغرب مؤخرا ، وهي
أعمال تقع في خمسة أجزاء . يشتمل الجزء الثاني من هذه الأعمال على
النصوص التالية : سبعة أبواب - سفر التكوين - الشيخوخة الظالمة ؛
وقد وضع لها المؤلف تصنيفا أجناسيا لا يخلو من دلالة : السيرة
الذاتية الروائية . إن استدعاء هذا التصنيف - سواء وضعه المؤلف أم
الناشر - هو الذي يتوخى هذا التحليل بيان بعض مداراته النصية في
أعمال سردية حاول عبد الكريم غلاب أن يفتح عوالمها الحكائية على
سياقات الحياة ، كما تمثلتها على الأقل ذات ساردة عبر التأمل حينا
والتذكر حينا آخر وتحريك الخيال حينا ثالثا . وقد استطاعت النظرية
الأدبية أن تفرز العديد من التصوّرات المتعلقة بملاحقة صورة الأنا
وتحيينات التخييل الذاتي الملازمان لكل كتابة لا تعتبر النص كيانا
مستقلا ، بل تعتبره محايثا لبعض حقائق الكينونة حين يكشف عنها المؤلف
بوصفها اختيارا حاسما في تقريب المسافة بين الواقعي والتخييلي .
ويمكن القول عموما إن للسيرة الذاتية العربية قيم أدبية وفكرية تحوّل
التاريخ الذاتي إلى أفق للكتابة يتحدى مجال البوح والاعتراف حين
يحوّل ممارسة الكتابة ذاتها إلى وعي مكمّل لإدراك العالم المحيط
بالمؤلف خلال مختلف مراحل العمر .
إذا سلمنا بهذا الاعتبار يمكننا الحديث عن السيرة الذاتية العربية
بوصفها نوعا أدبيا مثل باقي الأنواع ، نوعا لا يحكمه الميثاق
التعاقدي فحسب ، بل توجهه الاختيارات الجمالية لأصحاب السير الذاتية
. وتكون السيرة الذاتية ، بهذا المعنى ، نوعا أدبيا معبرا عن
حساسيات مختلفة : منها ما تسعى جاهدة إلى إعادة إنتاج نموذج سائد
ومترسخ للنوع ، ومنها ما تبذل قصارى جهدها من أجل خرق ذلك النموذج
والتأسيس لتجارب مختلفة تساهم في بلورة منظورات جديدة حول الكتابة عن
الذات واستعادة تاريخها . وعليه ، تؤسس الكتابة عن الذات نهجا ينفتح
على أنواع أدبية مجــاورة ( الرحلة - الرواية - الرسالة - اليوميات )
لا يتنافى وجودها مع التعاقد الذي تقترحه على القارئ ؛ ويكون لذلك
الانفتاح أثر بالغ في تأكيد ميثاق السيرة الذاتية بشكل غير مباشر ،
لأنه يفتح أمام المتلقي استراتيجية عامة لخطاب الذاتية ويدمجه فيها
بشكل من المفروض أن يزيده وثوقية وتصديقا للنص الذي هو بصدد الإطلاع
عليه .
هكذا ، تفترض النصوص السير ذاتية المنتمية للأدب العربي
الحديث أن الكتابة عن الذات تفكر باستمرار في العلاقة التصديقية التي
توجّه النص وتبرر وجوده بوصفه محكيا للحياة وتاريخا للأنا. وبالعودة
إلى النصوص السردية التي ضمّنها عبد الكريم غلاب في الجزء الثاني من
أعماله الكاملة سبعة أبواب - سفر التكوين - الشيخوخة الظالمة ، وأضيف
إليها نصا آخر لم تتضمنه هذه الأعمال وهو القاهرة تبوح بأسرارها نكون
أمام كتابة عن الذات تدل أن الهوية النصية ليست معطى سابقا عن
الكتابة السير ذاتية ، وإنما نتيجة لبحثها عن الكينونة الفردية كما
تطوّرت وفق محددات التطوّر المفكر فيها بعديا في الزمان والمكان .
ولذلك ، فإن السيرة الذاتية كنوع أدبي ، صريح أو ضمني ، لا يمكن
البحث في تكوّن أشكاله وصيغه التعبيرية من غير الاهتمام بغايات
التأليف ومقاصده وأسانيده وآفاق تلقيه . وهذا ما يجعل للسيرة
الذاتية وضعا خاصا على صعيد مؤسسة الجنس الأدبي تفرزه أشكال من
الكتابة : السيرة الروائية - السيرة الذهنية - السيرة الذاتية - نصوص
غفل غير مجنّسة .
لا أبتغي من وراء الأفكار التي بسطتها آنفا تعميم منطلقات
التحليل أو نمذجتها ، وإنما هي فقط من أجل إظهار بعض الفرضيات التي
تجعل من الكتابة عن التجربة الذاتية اختيارا ممكنا لتصريف الموقف من
الواقع والمجتمع والوجدان والإنسان عبر تشخيصات التخييل وممكناته .
إذا كانت السيرة الذاتية حسب أحد تعريفاتها المتداولة هي :
نثر استعادي ينجزه شخص واقعي عن وجوده الفعلي ، كما يلقي الضوء على
حياته الفردية وبالخصوص على تاريخ شخصيته ، فإن هوية السيرة تكون
مقيدة هنا بوجوب تطابق بين محافل المؤلف والسارد والشخصية الرئيسية .
بيد أن ميثاق التصديق الذي تفرزه فضاءات الكتابة ومكوّنات الأنا وأطر
التخييل تجعل التداخل بين الرواية والسيرة الذاتية ممكنا على عدة
أصعدة : فقد تستخدم الرواية أسلوب السيرة الذاتية عبر الإيهام
بالواقعية ووصف التجارب الشخصية ؛ ولذلك ، فإن السيرة الذاتية
الروائية ( أو رواية السيرة الذاتية ) تعني أن كل النصوص التخييلية
يمكن أن تدفع القارئ ليظن ، انطلاقا من التشابهات التي يعتقد أنه
يكتشفها ، أن هناك تطابقا بين المؤلف والشخصية الرئيسية ، في حين أن
المؤلف - في هذا النوع من الكتابة - اختار أن ينكر هذا التطابق ، أو
على الأقل اختار ألا يؤكده . وهذا ما تعلنه نصوص عبد الكريم غلاب
السالفة الذكر ، وما يؤكده كذلك الاختيار الأجناسي المؤطر لها :
السيرة الذاتية الروائية بوصفه اختيارا منفتحا على تصوّر معين للأدب
الشخصي و لكتابات الأنا ، وكأنّي بعبد الكريم غلاب يدافع بهذا
الاختيار عن فكرة مؤداها هذه الإمكانية : يمكن لتخييل سيرة ذاتية أن
يكون صحيحا وأن تتطابق الشخصية الرئيسية مع المؤلف ، كما يمكن للسيرة
الذاتية أن تكون غير صحيحة وتكون الشخصية الرئيسية مختلفة عن المؤلف
.
3
. " سبعة أبواب " من السيري إلى الروائي
يفصح السارد في نصّ سبعة أبواب عن هويته منذ الجملة الأولى
عبر ضمير للمتكلم منشغل بنقل ترسبات تجربة ذاتية مع الاعتقال : " لم
تكن المرة الأولى التي عرفت فيها السجن ( ص 10 ) " . ستشكّل هذه
التجربة ، إذن ، بمختلف أبعادها الوجدانية والإنسانية الموضوع
المركزي في النص بحيث تغدو فضاءات الكتابة ذاتها بما تعلنه بغير قليل
من المرجعية الواقعية والمباشرة إحالة إما على لحظات معلومة تاريخية
واجتماعية لمغرب ما قبل الاستقلال، وإما إحالة على التجربة الذاتية
لعبد الكريم غلاب مع الاعتقال ( إما لا تفيد الاختيار هنا وجـوبا ) .
ولذلك ، قد يكون الانتقال من السيري إلى الروائي أحد العوامل
المباشرة لإضفاء طابع التخييل على نص سبعة أبواب وبصرف النظر عن
عوالم البوح بالأعماق النفسية للمؤلف الواقعي والربط بين ضمير
المتكلم وفضاءات الكتابة عن الذات برصدها لحياة معيشة يعلنها سارد
بوساطة الضمير . من هذا المنظور ، فإن الميزة الأساسية لفضاءات
الكتابة في سبعة أبواب تضفي عليها ملمح الكتابة الاستعادية ، بما هي
تحيين للماضي وتضعيف
Dédoublement
لتحقّق نصي يتجاوز اليقين المباشر بين السارد والمؤلف الواقعي ،
وبين مادة التأليف وشكل تعبيرها .
تستمدّ ملاحظتي السالفة بخصوص الانتقال من السيري إلى الروائي
في سبعة أبواب بعض مبرراتها من تعلّق مادة التأليف بشكل التعبير ؛
ويعلم الدارسون لأدب عبد الكريم غلاب أنه شرع منذ مطلع الستينيات في
كتابة حلقات مسلسلة بجريدة " العلم " بعنوان ( مذكرات سجين ) يستعيد
من خلالها تجربة اعتقاله ستة أشهر في زنزانة ضيقة . إن صور ومشاهد
المذكرات هي التي ستصبح فيما بعد سبعة أبواب ، وكأن هذا الانتقال من
السيري إلى الروائي كفيل بخلق الإيهام الضروري بالبعد الواقعي
للأحداث والمواقف .
يتصدّر نص سبعة أبواب تقديم بقلم الدكتور محمد مندور ، ولعل
أبرز وظيفة لهذا النص المقدماتي تتمثل في توجيه مدار القراءة وإظهار
حافز الكتابة . وإذا كان مندور يرسم في تقديمه أفقا للانتظار ينشغل
بتعريف " أدب الحياة " وكيفية تحويل التجارب إلى أدب وفن ، فإنه يحدد
لذلك سبيلا يتطلب : امتلاك القدرة على الاستبطان الذاتي وصدق
الملاحظة ووضوح الإحساس ، ثم القدرة على التعبير . هكذا يؤكد مندور
أن " هذه الذكريات " تصوّر تجربة حية عاشها الكاتب فعلا وهي تجربة
السجن ستة أشهر رهن التحقيق بتهمة الدعوة إلى الإخلال بالأمن أيام
قيادة الملك محمد الخامس التيار الوطني ضد الاستعمار الفرنسي لتحرير
الوطن المغربي من سيطرته ( ص 7 ) . ولا شك أن استلهام التجربة
الذاتية وتمثلها وفق شكل تعبيري يزاوج بين السيري والروائي يفتح
ممكنات النص على كتابة تتخطى الطابع الايديولوجي المباشر ، وتكسبها
مسحة حكائية تمكّن الذات الساردة من التعبير عن وعي روائي يحاول
التخلص من الدلالة الأحادية لمرجعية الحقيقة الاجتماعية والتاريخية ؛
وهذا ما دفع محمد مندور في تقديمه إلى اعتبار الجانب القصصي في تلك
المذكرات ثانوي الأهمية إلى جوار المضمون الإنساني والوطني الذي صبّه
الكاتب في الإطار القصصي وبخاصة تلك الروح المعنوية العالية التي
صوّرها الكاتب ( ص 8 ) .
4 . " سفر التكوين " خبرة الحياة والكتب
ربما كان نص سفر التكوين من أكثر النصوص الحكائية مدعاة للتأمل في
جدوى الكتابة عن الذات في تجربة عبد الكريم غلاب القصصية والروائية ،
لأنه يعيد طرح سؤال كيفية الإدراك المتنامي للوعي بتحوّلات الكينونة
والتكوين . ويتخذ السيري في هذا النص عدة تشخيصات تبرز أهمية " رواية
التعلم " والحدود الرمزية لسرد استعادي يعيد اكتشاف وعيه المتوتر
حينا ، والمسكون حينا آخر بمشاعر التمرد على التقاليد .
يتدرج السرد في نص سفر التكوين من لحظة الميلاد وتخطي آلام
النفاس والتعبير عن الفرحة والسعادة بوصول أول ذكر تعرفه العائلة
التي كانت فروعها محدودة العدد . وتتوالى الأيام ليجد الطفل نفسه بين
أبهاء منزل كان قلعة تعلو سقف غرفها المترامية المتكاثرة المحلقة حول
عرصة فسيحة ازينت برخام وزليج ونقوش كتبت بها آيات قرآنية بخط جميل ،
لا يقرأ ، أملا في أن تحفظ سكانها من شياطين الجن والإنس ( ص 165 ) .
ويوسع السارد من تأملاته باستعادة لحظـات أخرى من وعيـه
الذاتي بـما يحيط به فـي " المسيد " حيث يبهره ضجيج الأطفال وحيث
تبدأ رحلة تعلم القراءة والكتابة . وسيعرف صاحبنا بعد ذلك المدرسة
ليبدو أكثر ارتباطا بدروس " العلم " والعربية والحساب والتاريخ
والجغرافيا . في المدرسة سيتعلم أن يقرأ شيئا آخر غير القرآن لما
يطلب منهم المعلم أن يصحبوا معهم في الدرس القادم كتاب كليلة ودمنة .
هكذا ، يحتفي السرد في سفر التكوين بتعيين لحظات متلاحقة من
سيرة الذات الساردة وهي تكتسب خبرتها من الحياة والوجود تلازمها سيرة
للتعلم مصدرها خبرة الكتب وتجارب الإنسانية . من خبرة الحياة إلى
خبرة الكتب يختزل سفر التكوين تجربة الأنا ضمن مسارين : الذاكرة
والمقروء ، وكلاهما يحتاج لجرأة المغامرة والتحدي للتخلص من رواسب
طفولة تحاصرها أسوار المدينة القديمة وحصيلة معرفية أساسها أصول
التوحيد ومعلقات الجاهليين ، والانشغال بقراءة قصص كليلة ودمنة وألف
ليلة وليلة ، ولماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم وأم القرى ورسالة
التوحيد …
بهذا المعنى ، تبلور الأنا معرفتها بهويتها الثقافية والاجتماعية
. إن سفر التكوين هو سفر في القراءة والكتابة من أجل الاقتناع بجدلية
الكتابة والتفكير . من هنا ، لم يعد تشعب السرد متعلقا باستلهام صور
الطفولة والتعلّم بل أضحى ، في العديد من الفصول ، منفتحا على
تداعيات خطاب واصف تطالعنا أصداؤه عبر مناقشة السارد لمفهوم السلفية
في الفصل 14 . يقول مثلا :
" يتجلى مفهوم السلفية أكثر بأنه ارتباط بالعقل الأول ، بالمفهوم
الأول للإسلام في نقائه الفكري والعقدي ، كما يستمد من القرآن أولا ،
ثم من صحاح الأحاديث ( ص 256 ) " .
ومن ذلك أيضا حديثه في الفصل 15 عن السياسي والثقافي
وأدوارهما في تكوين الشخصية الوطنية عند المناضلين الذين نهضوا بعبء
الحركة الوطنية في بدايتها ؛ وحديثه عن مفهوم الوطنية والقومية
والعروبة وغيرها من المفاهيم التي تفتح رحاب السرد على عوالم الفكر
النظري والسياسي المباشر والتاريخ الاجتماعي . وبهذا التقدير يصبح
السارد في سفر التكوين معبرا عن تجربة المؤلف الواقعي و " ناطقا
رسميا " باسمه ، يرى العالم من خلاله ويخلق له المحيط للتعبير عن
معارفه ورغباته ومشاعره . وهذا ما أتاح له التعبير عن أجواء طفولة
مترسبة في الذاكرة والوجدان بضمير للغائب ساهم في رصد حدود التجربة
وقصدية تحويلها إلى كتابة حاملة لأطروحة يتعلّق فيها الأدبي بالحياتي
. هكذا ، سيتأطر رصد حدود التجربة ، ابتداء من الفصل 20 ، بتغيير
المنظور واستبدال ضمير الغائب بضمير المتكلم : إن استبدال الضمير في
سفر التكوين يتجاوز حدود أن تعرف الشخصية الساردة ذاتها إلى أن تكون
ذاتها في صلة بتجاربها اللاحقة في السياسة والكتابة . نقرأ في هامش
دال من صفحة 292 ما يلي :
" اختفى صاحبنا من هذه السيرة ليفسح المجال " للأنا " صفحة جديدة
في سفر التكوين ، تعمد الكاتب أن يساير المرحلة ، فيتحدث بضمير
المتكلم بدلا من الغائب الذي غاب في طفولة التكوين " .
بهذه البرهنة ، يغدو السرد في سفر التكوين حاملا لكثير من صور
الاعتراف والإيمان بأخلاق الثقافة ؛ خلف كل صورة تأريخ لمسار فكري
وسياسي وذاتي لا يخفي رؤيته النقدية للماضي والحاضر على حدّ سواء .
5 . الشيخوخة الظالمة : سيرة ذاتية لشاب يرفض الشيخوخة
" الذين يكرهون الشيخوخة لا يعرفون كيف ينعمون بمفاتنها . محرومون
من سعادة لا تتحقق للإنسان إلا في أزهر أيام عمره " . بهذه العبارات
وما يناظرها يختم عبد الكريم غلاب حديثه عن الشيخوخة الظالمة التي
تتقدّم لقارئها بوصفها سيرة ذاتية خالصة لشاب يرفض الشيخوخة . ويشكل
هذا العمل الإبداعي عالما آخر من عوالم الكتابة السيرية التي تتخذ من
التجربة الذاتية مجالا لفهم علاقتها بأحداث المجتمع والتاريخ
والعلاقات .
يمكننا ، إذن ، أن نقرأ هذه السيرة الذاتية باعتبارها تمثل
مرحلة وجودية لا يمكن للمرء أن يحياها مرتين . بهذا المعنى ، تستمدّ
الشيخوخة الظالمة قيمتها الأدبية والفكرية ؛ فالسرد الاستذكاري قائم
هنا على إدراك الذات لسؤال الكتابة ليس ، فقط ، من موقع التأريخ
لوقائع معيشة على صعيد التربية الذاتية والرحلة إلى القاهرة والعودة
منها ، وأحوال العمل السياسي والانخراط في النضال الوطني ، وانعكاسات
أجواء النكسة والنكبة العربية ، وسلطة المرض وسلطان الموت إلخ … بل
من موقع اعتباره حصيلة خبرة ومكاشفة :
" هكذا أقنعت نفسي أن أعقد معها جلسة محاسبة أو مكاشفة ، دون أن
أنتقد الماضي ، أن أخطط للمستقبل ( ص 341 ) " .
لعلّ ما يميز نص الشيخوخة الظالمة ، فضلا عمّا سلف ، اهتمامه
بملاحقة التحولات الفكرية والنفسية والاجتماعية والجسدية للتجربة
الذاتية في الشيخوخة واتخاذها حافزا لكتابة شغوفة بالكشف عن مكنونات
الوجدان وقيم الثقافة . حوار خفي يقيمه عبد الكريم غلاب بين الشيخوخة
والكتابة ، حوار يجاور إعلان رأيه في العديد من القضايا والمفاهيم
أراها فريدة في محتواها منها ، مثلا ، رأيه حول الكتابة الروائية :
" أفضل الرواية . ليس لأني صرفت عمرا من عمري أكتب الرواية - أو
هكذا خيل إلي - وليس لأني واجهت معركة ضارية ظالمة من مراهقين
متسيسين لم يكسبهم النقد ولم تربحهم السياسة . كان همّهم أن يجهضوا
فن الرواية في المغرب ، فتأصلت الرواية وأجهضت هذا النوع من النقد (
ص 379 ) " .
" القدرة على الأداء قد لا تخون الكاتب الروائي في شيخوخته . لكن
التفوّق على نفسه قد يخونه . وما لم يتفوّق الكاتب المبدع على نفسه
لا يمكن أن يكون مبدعا ( ص 380 ) " .
ويمكن أن نضيف إلى هذه الآراء تصوّراته حول المسرح والسينما ( ص
382 ) والديموقراطية ( ص 395 ) إلخ … ولا خلاف في أن حوار الشيخوخة
والكتابة في هذا النص هو مبعث تأمل ذاتي في المحيط الثقافي والتقاليد
الإبداعية التي تحفظ للأدب هيبته وللحياة وقارها الإنساني . إن أساس
هذا التأمل الذاتي الذي كتبه عبد الكريم غلاب لم يقم أية مفاضلة بين
الشيخوخة والكتابة لأنه آمن بهذه القناعة :
" شيخوخة الفكر والنفس والقلب هي الشيخوخة الحقيقية التي تدمر
حياة الإنسان ولو كان شابا في مقتبل العمر ( ص 363 ) " .
إن الفصول المشكلة لنص الشيخوخة الظالمة بتنوّع صورها
وتفاصيلها وعوالمها الذاتية والحميمية الموصوفة تتضمّن خلاصة ثقافة
أدبية وروائية خصبة وغنية ومرهفة ؛ ولأنها فصول تحتفل بالشيخوخة - أي
بمرحلة جديدة من الحياة - فإنها تبرز مقامات متنوّعة وذات طرق فنية
محكمة من أسلوب الاعترافات . وهذا مظهر آخر من مظاهر بناء النص
وأكثرها بلاغة ، إذ تغدو الكتابة موازية للحياة تستمدّ منها قوتها
وسندها . وعلى امتداد هذه الاعترافات يفطّننا عبد الكريم غلاب بهذه
الحقيقة ، وبأن لعبة الكتابة لا تحتاج لتعلّم دروس المكابدة ، بل
تحتاج لموهبة المثابرة . ومن غير أي تلفيق أو تزويق يعلن غلاب :
" الكتابة هويتي ، ويوم أنفصل عن الكتابة سأكون قد انفصلت عن
الحياة ( ص 374 ) " .
6 . القاهرة تبوح بأسرارها : سيرة الذات في المكان
يتداخل في كتابة غلاب عن القاهرة السرد الذاتي بالسرد الاستذكاري
واستيحاء أجواء متلاحقة من تحوّلات المكان وأحداث تاريخية واجتماعية
من الواقع المصري والمغربي والعربي الحديث أثناء مرحلة المقاومة
والتحرير ونشوء المدّ القومي في السياسة والفكر .
هكذا ، يأتي نص القاهرة تبوح بأسرارها ليؤكد أن غلاب وهو
يستحضر حكاياته القاهرية ويجدد شوقه إلى فضاءات النيل والأزهر
والأهرام والقلعة والأوبرا والمتحف المصري والإسلامي والمساجد
العظيمة والعتيقة والجامعة المتنوّرة ، يعيد رسم ملامح أدباء وأصدقاء
أثروا في نفسه وكيانه ، وكان لهم دور بارز في إغناء أسئلة الأدب
والثقافة وقضايا الفكر الإسلامي أمثال : المنفلوطي وشوقي وأحمد أمين
والعقاد والمازني وأمين الخولي وطه حسين . يعترف عبد الكريم غلاب أنه
عرف القاهرة قبل أن يراها من خلال أساتذة كبار قرأ لهم ، واقترنت
كتاباتهم بوعيه الثقافي عبر ما كان يصل إلى يده من كتب ومقالات دون
اختيار ، وكانوا جميعا يمثلون له القاهرة في أبهى صورها . وفي غمرة
هذا الاعتراف وسواه ، استوقفتني عدة صور صادقة عبر عنها غلاب بعبارات
دالة خصصها لفضاء الجامعة التي فتحت أمامه آفاقا واسعة رآها تخاطب
الحاضر والمستقبل لدى جيل آمن بنبل رسالة الأدب وجدوى قيم الثقافة
المتنوّرة بمختلف أبعادها الوطنية والإنسانية . تبرز في هذا السياق
اعترافات لامعة ومرهفة يقول غلاب :
" لم أكن مأزوما فلم أسع قط إلى نيل درجة جامعية من مصر ، كنت
أحسب أنها لن تنفعني في المغرب . لا أعد نفسي لوظيفة أو مركز في نظام
الحماية ، يكفيني أن أتعلم وأقرأ وأرفع الأمية الفكرية عني ( ص 73 )
" . هذا التعطش إلى المعرفة كان السبيل الأجدى لامتلاك وعي مبكر
بقيمة تنوّع التعبيرات والإبداعات وأساليب اكتسابها وطرق تحصيلها .
ويعتز غلاب بكونه حمل من المغرب ثورة على الانتظام : فقد ثار في
القرويين على الانتظام في سلك الدراسة الذي يسلمه الابتدائي منه إلى
الثانوي إلى العالي ليصبح " عالما " بعد انقضاء سنوات العمر . فقد
كان ميل غلاب ، أثناء فترة التعلّم ، إلى حرق المراحل والثورة على
المنهج المتبع في تنظيم الدراسة بالقرويين . نفس هذا الإحساس راوده
حين انتقل إلى القاهرة ، فقد كان يوزع وقته بانتظام بين دروس الأدب
والفلسفة والتاريخ في كلية الآداب ، يستفيد من الدرس الذي يمنحه
الثقة ويهجر ذاك الذي لا يتجاوب معه . بهذه الثقة في النفس وبهذا
الإصرار على التعلم والنهل من آفاق معرفية مختلفة ومتنوعة ، يستحضر
عبد الكريم غلاب في صفحات أخرى صورا للدكتور طه حسين وهو يلقي
محاضراته أو يناقش الرسائل الجامعية بكلية الآداب . ويذكر غلاب أن طه
حسين لم يكن يتخلف عن موعد دروسه ، يلقي الدرس في خمسين دقيقة وكأن
فكره مع الساعة : يبدأ بربط الصلة مع المحاضرة السابقة ويستمر في
الجديد من القول حتى إذا اقترب موعد النهاية ، بدأ يلخص الأفكار حتى
تكون الخاتمة مع الجرس الذي يعلن نهاية الحصة . إن حديث غلاب عن طه
حسين يتميز بدقة بالغة في اختيار تفاصيل شخصية أدبية وثقافية كان لها
كبير الأثر على أجيال متلاحقة من الطلبة والباحثين . من أهمّ ما يثير
الانتباه في نص القاهرة تبوح بأسرارها استعراض غلاب لأحداث من
التاريخ المصري إبان الهيمنة الإنجليزية والحرب العالمية ، وما رافق
ذلك من نشوء للحركات الوطنية والسياسية في العالم العربي خاصة مصر
والمغرب . وهذا ما يبرر احتفاء المؤلف بالحدث التاريخي لبيان
التأثيرات بين الاجتماعي والثقافي والذاتي . ومن طبيعة هذه الذكريات
بين الثقافي والسياسي تنتظم الذكريات وتعلن سيرة الذات في المكان عما
يخالجها من هواجس الهوية وصدق الوجدان وعمق التربية والانشغال المبكر
بالقضايا الوطنية والاجتماعية .
7 . تركيب واستنتاجات
إن استعادة تاريخ الأنا يمثل محددا كافيا لاستثمار الماضي الحياتي
للفرد بين الطفولة والكهولة ، وتشغيل وقائعها المروية تذكرا
واستحضارا وبحسب حركة التاريخ والمجتمع :
1 .
تتخذ الذات والماضي في السيرة الروائية عدة مواثيق تحوّل صورة
الوجود من الكتابة إلى التذكر حسب فضاءات : الطفولة والعائلة
والعلاقات والدراسة. ولهذه الغاية ، يكون للسيرة منطق خاص في السرد
وتحقيب التجربة الفردية . ويكون الماضي والذات عنصران تركيبيان في
بناء النص واقتراح ميثاق للقراءة يراعي أوضاع المؤلف والشخصية
الرئيسية .
2 .
يتعلق السرد الذاتي عند غلاب بالتاريخ السياسي والاجتماعي ، ويشرع في
كتابة الماضي باستدعاء الذاكرة وفق شروط تتصل ب : الذاكرة / الماضي
، الذاكرة / الذكريات ، الذاكرة / النسيان . ويبقى مجال الذات
والواقع متعلقا بدوره بأحداث التاريخ والمجتمع كتجربة وكقيمة رمزية
أو فكرية .
3 .
يتخذ سرد تاريخ الحياة الفردية ، إذن ، عدة أشكال ومقاصد . إن الوعي
بالوجود الفردي لا يستقل عن الحاضر الذي يبدو في معظم السير الذاتية
عنصرا جوهريا في الكتابة:
أ . الكتابة عن الذات لا يمكن أن تهرب من تحديد تاريخ ما
لذاتها ولكتابتها .
ب . الكتابة عن الذات لا تعنى فقط بمراحل التكوّن ، بل تعنى
أيضا بأسئلة الفكر والثقافة وقيم المعرفة .
ج .
تتخلل السيرة الذاتية صور أناس تلاقت في لحظة ما مع صورة الكاتب وهو
يبحث عن هويته هنـا أو هناك .
يتجلى من مجمل هذه المعطيات أن عبد الكريم غلاب كتب سيرته
الذاتية من خلال أربعة نصوص لم يلتزم فيها بمعطى التسلسل التاريخي
كما تبين لنا من قراءتنا للنصوص السالفة . ولعل أهم ميزة لكتابة
السيرة لديه تكمن في انفتاح التجربة الذاتية على الحدث الاجتماعي
والسياسي والثقافي العام ، ولذلك تراه يكتب سيرة غيرية أو سيرة مكان
، وتراه أحيانا يحلل الفكرة الأدبية والموقف الإيديولوجي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استفدت في تحرير هذه الدراسة من الإحالات التالية :
-
عبد الكريم غلاب : الأعمال الكاملة ، الجزء الثاني ، منشورات وزارة
الثقافة والاتصـال
غشت 2001 . أرقام الصفحات المضمنة في هذا التحليل
تحيل على هذه
الطبعة باستثناء نص القاهرة تبوح بأسرارها .
-
عبد الكريم غلاب : القاهرة تبوح بأسرارها ، سلسلة كتاب الهلال عدد
591 مارس 2000
القاهرة .
-
عبد القادر الشاوي : الكتابة والوجود : السيرة الذاتية بالمغرب ،
أفريقيا الشرق 2000 .
-
Ph . Lejeune : Le pacte autobiographique , Seuil 1975
-
P. Machery : Pour une théorie de la production littéraire , F.
Maspero 1980
-
G . Gusdorf : Les écritures du moi , Ed Odile jacob , 1991
-
K . Hamburger : Logique des genres littéraires , Seuil 1986
-
M . Picard : La littérature et la mort , PUF , 1995