معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

 

سعيد بنگـراد

الفصل الثاني

السميائيات السردية

 

تمهيد

ينطلق گريماص، وهو المؤسس الفعلي للسميائيات السردية، من ملاحظة مفادها أن الذهن البشري ينطلق من عناصر بسيطة لكي يصل إلى خلق موضوعات ثقافية. ويسلك في هذا سبيلا معقدا يواجه فيه إرغامات عليه أن يتجاوزها، وتفرض عليه اختيارات عليه أن يحدد موقعه ضمنها. إن هذا المسار المعقد يقود من المحايثة إلى التجلي عبر ثلاث محطات رئيسة :

1 - هناك أولا البنيات العميقة، وهي بنيات تتحدد داخلها الكينونة الإنسانية بتنوع أشكال حضورها الجماعي والفردي، وهو ما يشير إلى ضرورة تحديد الشروط الموضوعية الخاصة بالموضوعات السميائية. وتتميز هذه البنيات بوضع منطقي. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق في هذا المستوى بتحديد جوهر الخزان الثقافي الذي يتحكم لاحقا في أشكال تحقق السلوكات المخصوصة. فما يبرر هذا السلوك أو ذاك ليس حكما سطحيا ينصب على حدود التحقق، بل ارتباط هذا السلوك بثقافة تبرره وتفسره.

2 - هناك ثانيا البنيات السطحية، وتشكل هذه البنيات نحوا سميائيا، أي مجموعة من القواعد التي تقوم بتنظيم المضامين القابلة للتجلي في أشكال خطابية خاصة. فالوجه المجرد لا يمكن أن يكون سوى احتمال، في حين يشكل الوجه المرئي، أي الوجه المتحقق، المدخل نحو تحديد الحياة من خلال حدود زمنية، أي صب السلوك داخل وضعية مخصوصة.

3 - ثم هناك بنيات خاصة بالتجلي، وتقوم هذه البنيات بإنتاج وتنظيم الدوال، والأمر يتعلق في هذه الحالة، بالوجه اللساني للقيم. (1)

ويمكن النظر إلى هذه الملاحظة من زاويتين : الزاوية الأولى تعود إلى عملية التسنين الخاصة بالمضامين المتنوعة المرتبطة بالنشاط الإنساني (المضامين اللسانية والاجتماعية والثقافية). وتعد هذه العملية تمثيلا لغويا لنشاط غير لغوي، مادامت المفهمة، بمعناها الواسع، هي تعميم للذاكرة الفردية لكي تتطابق مع مجموع الذاكرات الخاصة بالمجموعة اللغوية ككل. وتعود الزاوية الثانية إلى عملية تحيين ما تم تثبيته عبر الممارسة المتكررة لنفس السلوك، من خلال أشكال خطابية خاصة. ويعني هذا الأمر إمكانية منح هذه الأشكال بعدا زمنيا يدرج ما يبدو ثابتا داخل سيرورة زمنية جديدة.

أما فيما يتعلق بالزاوية الأولى (عملية التسنين)، فإنها تعود إلى كون السلوك الإنساني في غناه وتنوعه لا يمنحنا فرصة رصد كافة العناصر المشكلة له، ويعود ذلك إلى أن هذا السلوك بتجاوز حدود المجهود الذي تتطلبه أية مقاربة قائمة على الملاحظة التجريبية. وبناء عليه فإن الإمساك بهذا الكون السلوكي ( الذي يمكن النظر إليه باعتباره مجموعة من الممارسات الدالة ) لا يتم إلا من خلال بلورة نموذج عام وكوني قادر على تكثيف واختصار هذا الغنى في بنية قابلة للتجسد في أشكال خطابية متنوعة هي في الأصل تشخيص لبنية دلالية بالغة التجريد، وستكون هذه البنية مخزونا لسلسلة هائلة من الإمكانات الدلالية.

وإذا كان هذا المستوى يشتغل كشكل سابق عن أي تجلي لساني أو غير لساني ( لأنه قابل للظهور من خلال مواد تعبيرية مختلفة)، فإنه على الرغم من ذلك يحتوي على أولى الأشكال التنظيمية وذلك من خلال ارتباط مجموعة من القيم المضمونية بعضها ببعض ضمن سلسلة من العلاقات المتنوعة، وهذا يجعل الانتقال من المستوى التجريدي إلى المستوى المحسوس المشخص أمرا قابلا للتصور.

أما فيما يتعلق بالزاوية الثانية، فإن عملية القلب التي تقوم بتحويل العلاقات إلى عمليات عبر إدخال الفعل التركيبي ( الإجراء) كشرط أساسي لهذا التحول، ليست شيئا آخر سوى تفجير للبنية الدلالية المنطقية في مجموعة من المسارات ذات الطابع التصويري ( البعد المجرد في مقابل البعد المشخص). وسنكون مع هذا التحول، أمام نظرة توزيعية لمحور استبدالي. ذلك أن إنتاج وتداول المعنى لا يمكن أن يتم إلا من خلال عملية التحيين ( كحد مقابل للتسنين)، والتحيين معناه خلق وضعية إنسانية مدرجة ضمن حدود زمنية تمنح الوجه المجرد للبنية تلوينا ثقافيا وإيديولوجيا تمييزيا.

استنادا إلى هذا، لن يكون النص سوى وجه مفصل لوجه مكثف، ولن تكون البنية سوى نص ممكن قابل للتحقق في أشكال بالغة التنوع، ولقد عبر أمبيرتو إيكو عن هذا الترابط التوليدي بقوله > إن الأثر المعنوي ( السيميم) يجب أن يمثل أمامنا باعتباره نصا ممكنا، ولن يكون النص سوى وجه مفصل لهذا الأثر المعنوي< (2)

التنظيم العميق

استنادا إلى هذه المبادئ المعرفية الأولية يمكن القول إن البشرية جمعاء تشترك في مجموعة من المضامين ( المدركة كثنائيات). وهو ما يوحدها وما يجعل التعايش ممكنا بين كل هذه الكائنات رغم الانتماءات المختلفة إلى ثقافات بالغة التنوع. إلا أن هذا القاسم المشترك لا يعني التوحد والتطابق المطلق، فكل مجتمع ينظم مضامينه بطريقته الخاصة وفق تقطيع مفهومي خاص به.

ووفق هذا التصور، فإن تحقق ما تحدثنا عنه في الفقرة السابقة وسميناه البنية المجردة ( والمقصود هنا علاقات مضمونية عامة من نوع خير (م) شر)، سينظر إليه باعتباره تخصيصا لبنيات هذا المجتمع وتمييزا لها. فلا يكفي إذن تحديد سلسلة من الثنائيات العامة من نوع : خير (م) شر ، صدق (م) كذب، قبول(م) رفض، للقول إننا قد أمسكنا بنمط اشتغال السلوك الإنساني ونمط إنتاجه للقيم. فهذه الثنائيات قد تكون لها القدرة على مدنا بمعرفة حول اشتغال سلوك اجتماعي ما، إلا أنها عاجزة على مدنا بأدوات التمييز بين هذه المجموعة البشرية أو تلك.

لهذا، فإن التسليم بوجود نموذج عام منظم للسلوك الإنساني إن كان يعد قاعدة صلبة وجسرا نحو الكشف عن خصوصية مجتمع ما، فإنه مع ذلك في حاجة إلى أن يكون متبوعا بإبراز نمط تحققه ( أو تحققاته)، ولعل هذا ما يسمح لنا بالحديث عن خصوصية النص وعن تميزه عن النصوص الأخرى. وفي هذا المجال يقدم گريماص نموذجا تجريديا قادرا، في تصوره، على استعادة كل العناصر المندرجة داخل السلوك الإنساني على شكل مواقع ترتبط فيما بينها بسلسلة من العلاقات. ويطلق على هذا النموذج المربع السميائي أو النموذج التأسيسي.

1- النموذج التأسيسي

إن فرضية النموذج التأسيسي تكمن في وجود مضامين غير متمفصلة في وحدات صغرى تخبر عنها. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق بمضامين فكرية موجودة خارج أي سياق. فماذا يعني الخير أو الشر أوالصدق، خارج وضعيات إنسانية ملموسة تحدد للخير والشر والصدق مضامينها. وبالإضافة إلى ذلك فإن أي مقولة من هاته المقولات هي كما هي في حدود ارتباطها سلبا بما ينفيها ( الشر مثلا ) ومرتبطة إيجابا بما يثبتها أو يدعمها ( المقولات المنتمية لنفس الكون الدلالي ). إن هذه المضامين في حاجة إلى تحريك.

ومن حقنا، تبعا لهذا التصور، أن نتساءل عن موقع النص السردي ببنياته وتجلياته المتنوعة من هذا المسار : كيف يمكن رد النص السردي، ببعده التشخيصي التصويري، إلى بنية دلالية منطقية سابقة عنه في الوجود ومولدة له ؟ وكيف يمكن التحول من المفهومي المجرد، إلى المشخص المحسوس ؟

إذا تركنا جانبا المستوى الثالث، وهو المحطة الثالثة داخل مسار التوليدي (إنه مستوى يعود إلى علم الأسلوب بأدواته وتقنياته الخاصة)، فسيكون بإمكاننا التمييز بين مستويين للتمثيل والتحليل.

- مستوى سطحي، وفيه يخضع السرد، بكل تمظهراته لمقتضيات المواد اللغوية الحاملة له، أي مجموع العناصر التي تدرك من خلال التشخيص ذاته. وبعبارة أخرى يتعلقالأمر بالنص في تجلياته الخطية المباشرة كما يقرأه أي قارئ عادي.

- مستوى عميق، ويشكل جذرا مشتركا تكون السردية داخله منظمة بشكل سابق عن تجليــــها من خلال هذه المادة التعبيرية أو تلك (3). وبعبارة أخرى فإن الأمر يتعلق بإمكاية الإمساك بـ"الفكرة " التي يحاول أن يعبر عنها النص، فهذه الفكرة يمكن أن أن نعبر عنها من خلال صورة أو فيلم أو رقصة ...

ويشكل هذا التمييز بين مستويين للتنظيم السردي ( الأشكال المتنوعة للتجلي السردي) القاعدة التي يستند إلىها الخطاب من أجل تشكله ومن أجل إنتاج مكوناته. وعلى هذا الأساس، >عوض أن نتعامل مع الخطاب باعتباره تسلسلا للملفوظات، يجب القول إن الخطاب، باعتباره كلا دالا، يمثُل أمامنا على شكل تأليف تام يتحلل بعد ذلك تدريجيا، لينفجر في النهاية على شكل ملفوظات خاصة <. (4)

استنادا إلى ذلك يمكن القول إن السردية، باعتبارها نشاطا إنسانيا للتمثيل ولإنتاج الدلالات، لا تعبأ بمادة تمظهرها، فهي قابلة للظهور من خلال مواد تعبيرية أخرى غير اللسان (السينما، المسرح، الحركات الجسدية، الصورة المتحركة أو الثابتة ).

انطلاقا من هذا، يحدد گريماص شروط وجود السردية، باعتبارها نشاطا مرتبطا بالسلوك الإنساني، في وجود نموذج دلالي /منطقي يشتغل كمعادل لبنية مشخصة. وفي هذا الاتجاه يقترح، للانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني، مسارا توليديا يقودنا من البنية الدلالية المنطقية إلى التمظهر النصي، عبر محطات تخضع لمجموعة من المقتضيات. وما دام الحديث عن السردية، هو بشكل من الأشكال، الحديث عن السميائيات باعتبارها علما عاما للدلالة، فإن شروط إنتاج النص السردي لا تنفصل عن شروط إنتاج الدلالة باعتبارها سيرورة في الوجود وفي الاشتغال.

2- تسريد النموذج التأسيسي

كيف يتم الانتقال إذن من النموذج التأسيسي إلى ما يشكل قصة تدرك كمجموعة من العناصر المشخصة ( زمان، مكان، شخصيات الخ...) ؟ وبعبارة أخرى كيف يمكننا خلق نص سردي انطلاقا من بنية دلالية بسيطة ؟

إن هذا الانتقال ممكن من خلال عملية التسريد، أي من خلال إعطاء بعد سردي لمقولة بالغة العمومية والتجريد. ولكي نتحدث عن عملية التسريد، باعتبارها التباشير الأولى للتحول المضموني المحدد من خلال تمفصل الدلالة في وحدات تقابلية (الحزن ( م ) الفرح مثلا)، يجب طرح البنيات السردية وتحديد وضعها داخل الاقتصاد العام لعملية الإمساك بالمعنى.

وبعبارة أخرى يجب تحديد وضع هذه البنيات داخل المسار التوليدي للدلالة. وفي هذا الاتجاه ينظر گريماص إلى البنيات السردية > باعتبارها عنصرا يحتل موقعا توسطيا بين المحافل الأساسية الأولى، أي البؤرة التي تتلقى فيها المادة الدلالية أول تمفصلاتها وتتحدد كشكل دال، وبين المحافل النهائية، حيث تظهر هذه الدلالة من خلال لغات متعددة <.(5) وفي ضوء هذا التحديد سنكون أمام تنظيمين مختلفين لنفس الكون الدلالي .

- تنظيم عميق ويطرح داخله المعنم (Séme) بصفته العنصر المميز والمسؤول عن أي تمفصل دلالي. وسيكون النموذج التأسيسي أول أشكال التنظيم الدلالي. والمقصود بالمعنم ما عبرنا عنه في الفقرة السابقة بالوحدات الصغرى التي من خلالها نستطيع الإمساك بالمضمون.

- تنظيم سطحي، ويتم داخله طرح الآثار المعنوية (séméme) باعتبارها نتاجا لدخول المعانم في علاقة مع بعضها البعض، وسيكون النموذج العاملي، بوصفه صيغة تركيبية، معادلا للنموذج التكويني. ويتعلق الأمر، بعبارة أخرى، بالوقع الذي ينتج عن الوضعيات الملموسة التي تقوم بتجسيد هذه المضامين.

بناء على ذلك، فإن تحديد البنيات السردية، وتخصيص موقعها كمستوى بنيوي توسطي بين المحايثة والتجلي، يفرض علينا أن نقلب المعادلة التحليلية. > فعوض أن نتحدث عن توليد الدلالة من خلال إنتاج الملفوظات المتمفصلة في خطاب تام، يجب الحديث عن البنيات السردية باعتبارها أداة إنتاج الخطاب المتمفصل في الملفوظات <. (6) وتبعا لهذا، فإن مقاربة أي نص سردي، يفرض تحديد مستويين للتحليل يقود أحدهما إلى الأخرى. ويحدد گريماص هذين المستويين في شكلين : دلالة أصولية ونحو أصولي من جهة، ونحو سردي من جهة ثانية.

فماذ تعني الدلالة الأصولية ؟ إنها تحيلنا العنصر على البنية الدلالية البسيطة، باعتبارها محورا دلاليا يتمفصل في معنمين متقابلين من نوع :

أبيض (م) أسود

وتحدد هذه البنية الشروط الأساسية والأولية للإمساك بأي كون دلالي دونما اهتمام بمادة التمظهر. > فإذا كان هناك من شيء يدل على شيء ما، فإن هذا التدليل لا يعود إلى قدرة حدسية محددة لمضمون ما يدل عليه هذا الشيء، ولكنه يعود إلى كوننا نستطيع انطلاقا منه تحديد نسق من العلاقات مثل :

علاقة ضدية.................. أبيض (م) أسود

علاقة تناقضية ............. أبيض (م) لا أبيض

أسود (م) لا أسود

علاقة اقتضائية ............ لا أبيض (م) أسود

لا أسود (م) أبيض <(7)

وسنكون جينها أمام النموذج التكويني أو المربع السميائي باعتباره تأليفا تقابليا لمجموعة من القيم المضمونية :

أبيض س1 س 2 أسود

لاأبيض س2 س1 لاأسود

إن هذه البنية الدلالية البسيطة، قابلة للانفجار في أية لحظة في عناصر مشخصة، وتحتوي في داخلها، أي في مستواها المحايث وقبل تحققها داخل سياق محدد، على قدرة توليد سلسلة من العلاقات الداخلية. وبعبارة أخرى، فإنها تمتلك القدرة على جعل المعنى قادرا على التدليل، > إنها تجعل من وحدة معنوية ما كونا دلاليا صغيرا، أي نسقا علائقيا بسيطا، فما يكون هو ما ينظم أيضا، وهو أيضا ما يسمح بالتحكم لاحقا في المعنى، أي الإمساك بالعنصر الذي يحكم كل التحولات الآتية <. (8)

إن وجود بنية دلالية مولدة للنص السردي وسابقة عليه، لا يعني أننا أمام قيم مضمونية تتحرك خارج البنية الزمنية المسؤولة عن تنسيق كل كون دلالي، إنها على العكس من ذلك قيم مضمونية محددة من خلال الممارسة الاجتماعية نفسها. إن هذه القيم وليدة السلوك الإنساني بكل عناصره المعقدة والبسيطة والمتنافرة. فالسلوك الفردي يدرك في ذاته كممارسة عينية، أي كتحقق خاص لشكل سلوكي عام، ويُدرك في علاقته بالسلوك الإنساني باعتباره مجموعة من السنن المتحكمة والمؤولة لما هو متحقق في شكل خاص.

وبناء عليه، فإن البنية الدلالية البسيطة التي يقول عنها گريماص إنها ذات طابع لازمني، يمكن اعتبارها مؤولا نهائيا، (9) بالمفهوم الذي يُعطيه بورس لهذه الكلمة، أي أنها تعد نقطة نهائية داخل سلسلة من الإحالات ونقطة بدئية داخل سلسلة أخرى من الإحالات. ولهذا، فإن اللازمنية المميزة لهذه البنية يجب أن تفهم بمعنى قابليتها للتحقق في أشكال خطابية بالغة التنوع.

أما النحو الأصولي فيحيلنا على نمط الاشتغال التركيبي للنموذج التأسيسي. إن الأمر يتعلق بقواعد منطقية غير مرئية على المستوى السطحي، ولكنها تعد في واقع الأمر، الأساس الذي يستند إليه الإنسان في تصريف مضامينه. وهو ما يعني، بعبارة أخرى، أن >البنية الدلالية المشار إليها أعلاه لكي تكون لها القدرة على توليد سلسلة من الحالات المتقابلة فيما بينها يجب أن تستجيب لما يلي :

- أن تتشكل في مستوى محايث، أي بعيدا عن أي شكل من أشكال التمظهر.

- أن تمتلك طابعا خطابيا، أي يجب أن يكون حجم الوحدات المكونة لها أكبر من الملفوظ.< (10)

فما نحدده كنفي لهذا المضمون وإثبات لذاك، أو الانتقال من حالة الأشياء هاته إلى حالة أخرى يخضع لمنطق من العلاقات الضمنية التي تحدد نمط تشخيص لقيم وتداولها.

إن هذين العنصرين هما ما يسمح، في هذه المرحلة المبكرة من التوليد الدلالي، بالربط بين الدلالي والتركيبي، أي الانتقال من العلاقات ( ما يكون وينظم ) إلى العمليات ( استشراق آفاق الفعل الحدثي بحصر المعنى ). >فالنموذج التأسيسي هو ذلك المبدأ التصنيفي الذي تتمفصل داخله، وتظهر انطلاقا منه القيم، وإجراءات خلق القيم المتواترة للإيديولوجيا. وإذا كان هذا النموذج قابلا لتوليد أشكال خطابية غير سردية، فإنه يعد أيضا قاعدة أساسية لكل سيورة ديناميكية مولدة للتركيب السردي <. (11)

وعلى أساس وجود قواعد للتحول الممكن من الدلالي إلى التركيبي ( من العلاقات إلى العمليات )، يمكن فهم مقولة "الإمكانات السردية" أو التوقعية المرتبطة بأي فعل سردي يأخذ على عاتقه سرد مجموعة من الأحداث التي تشكل القصة كنص سردي. فكما أن التجربة الفردية تجربة فريدة ولا يمكن إعادة إنتاجها إلا من خلال إدراجها داخل نسق عام هو تكثيف لمجموع السلوكات الممكنة، فإن الفعل السردي، في تفرده وخصوصيته، يجب أن يدرك كتحقق لإمكانية معينة ضمن إمكانات أخرى متضمنة داخل نص سردي كوني.

انطلاقا من هذا، فإن تحقق البنية الدلالية البسيطة في نص معين ( مع ما يعنيه هذا من طرح للخصوصية التي يفرضها الشكل الخطابي الحامل لهذه البنية)، يمر عبر مصفاة الإمكانات السردية باعتبارها الأداة الرئيسة لخلق العالم المشخص. وإذا كان بإمكاننا أن نسرد نفس القصة بطرق متنوعة، فإن عملية السرد هاته تكشف في كل تحقق عن تلوين ثقافي، أو عن بعد إيديولوجي جديد. من هنا، فإن الانتقال من الدلالي إلى التركيبي، ودخول ذات الخطاب (لذات التي يقع على عاتقها تجسيد هذه القيم ) كأساس لهذا الانتقال يشكل التباشير الأولى لكل تحديد إيديولوجي، فهذه الذات هي المحددة أيضا لنوعية التحقق السردي للبنية الدلالية البسيطة.

كيف يمكن إذا تسريد هذا النموذج ؟ وبعبارة أخرى هل بإمكاننا إعطاء بعد ديناميكي لنموذج يتسم بالسكونية ؟ كيف يمكن توليد دلالة سردية انطلاقا من سلسلة من العلاقات الثابتة؟. وبعبارة أخرى، كيف يمكن انطلاقا من مقولة الخير أن ننتج قصة قد تروي لنا أشكالا متعددة من الخير؟

إذا كنا نسلم أن كل >موضوع سميائي يتحدد من خلال نمط إنتاجه، فإن المكونات المتضمنة في هذه السيرورة تتمفصل في مسار يقود من العنصر الأكثر تجريدا إلى العنصر الأكثر محسوسية<. (12) وتبعا لذلك، فإن إنجاز عملية تسريد البعد المفهومي وتحويله إلى بنية مشخصة يجب أن يتم من خلال التحول من الدلالي إلى التركيبي، أي التحول من العلاقات إلى العمليات. فعوض الاكتفاء بالقول إن الصدق مرتبط بالكذب، يجب أن نتصور إمكانية الانتقال من حالة يسودها الكذب إلى حالة مفعمة بالصدق، زي من الإثبات إلى النفي. ذلك أن المبدأ التركيبي هو سلسلة من القواعد التي تتحكم في المبدأ الدلالي، و> هذا يعني التعامل مع الدلالة باعتبارها إمساكا أو إنتاجا للمعنى من طرف ذات معينة<. (13) إن العلاقات المكونة للنموذج التأسيسي تتحول إلى عمليات وذلك بحكم طبيعة تشكل النموذج ذاته، فلكي تتم عملية التحول هاته، لا بد من إدخال الفعل التركيبي، وإثارة هذا الفعل يستدعي بالضرورة إدخال ذات الخطاب بصفتها المحفل الذي يأخذ على عاتقه تحويل المفهومي إلى عنصر مشخص.

إن عملية الإثبات والنفي الخاصة بالمضامين تشير إلى أولى العلاقات التحويلية الممكن إنجازها وطرحها على شكل ملفوظ سردي بوجهيه الانفصالي والاتصالي. > حينها ستبدو العلاقات الثلاث : التناقض، الاقتضاء والعكس، باعتبارها تحولات، وستعمل هذه التحولات على نفي مضمون وإثبات آخر. حينها سنسمي ''الانفصال'' التحول الخاص بالنفي، وسنسمي ''الاتصال'' التحول الدال على الإثبات. وإذا نظرنا إلى هذه التحولات من زارية كونها عمليات، فسنكون حينها أمام الشروط الأولية للتسريد<. (14) وهكذا يمكن تشخيص هذه العملية من خلال الانتقال في عملية النفي أو الاثبات، من الحد الأول للنموذج التكويني :

س1 ـــــــــــ س 1

س1 ــــــــــــ س 1

وكذلك الأمر بالنسبة للحد الثاني :

س2 ـــــــــــ س2

س2 ــــــــــ س 2

واستنادا إلى هذه العمليات، ستحدد الخصائص الرئيسية للنحو الأصولي، وهي الخصائص التي ستمكننا من بناء نحو سردي سطحي ( أي بناء التركيب السردي المحض). ويجمل گريماص هذه الخصائص في العناصر التالية :

1 - يتكون النحو السردي من مورفولوجيا أولية، يوفرها النموذج التصنيفي، ومن تركيب أصولي.

ب - التركيب السردي يتحدد من خلال احتوائه على عميات تسقط على حدود قابلة للاستثمار الدلالي.

ج - العمليات التركيبية الواقعة في الإطار التصنيفي عمليات موجهة.

د - إن هذه العمليات منظمة في متواليات وتشكل إجراء يمكن تجزيئه في وحدات تركيبية إجرائية. (15)

إن عملية القلب هاته هي التي تسمح لنا بالانتقال من النحو الأصولي إلى التركيب العاملي المشخص. أي من القواعد الضمنية إلى حالات مجسدة لهذه القواعد ( استعباد - مستعبد). وهذا لا يعني التحول من المفهومي إلى الحدثي مجسدا في أفعال إنسانية بإطارها الزمكاني. فنحن في هذه المرحلة لا نقوم إلا بنقل القيم اللسانية المجردة إلى قيم مشخصة، أيننظر إلى القيم باعتبارها محمولات قابلة لتوليد محافل تأخذ على عاتقها عملية تحيينها في أحداث محددة. > فعندما تتم عملية القلب التي تقوم بإسقاط الاستبدالي (الصرفي التصنيفي) على التوزيعي (التركيبي الإجرائي)، وتتحول المعانم العميقة إلى وحدات مستترة ينظر إليها كتطابق تجريدي وكوحدات مضمونية، حينها يكون بإمكاننا الانتقال من التركيب الأصولي إلى التركيب المشخص الذي يقوم بالكشف عن ''المنطق'' العميق الذي يظهر في الحكايات تحت غطاء الخطابي التصويري <. (16)

وهكذا فإن علاقة التناقض وكذا العمليات التي عبرها تتم عملية النفي والإثبات الخاصة بالحدود المتناقضة ستأخد شكل تمثيل تشخيصي ذي طبيعة سجالية : نحن أمام ذاتين ذ 1 و ذ 2 تتصارعان من أجل الحصول على موضوع ما، وتتحددان، عبر هذا الصراع، بصفتهما قطبين متناقضين. إن موضوع هذا الصراع وغلبة إحدى الذاتين على الأخرى، هو ترجمة تشخيصية للعملية التي من خلالها يتم نفي أحد الحدود المشكلة لبنية التناقض.

وبناء عليه، فإن القلب هو قراءة المستوى الأول من خلال المستوى الثاني، واعتبار المستوى الثاني وجها آخر للمستوى الأول. وبعبارة أخرى، فإن القلب لا يعني التحول من مستوى إلى آخر بقدر ما يعني إعطاء صياغة جديدة لنفس المستوى.

يستفاد من هذا أن عملية القلب هي منطلقنا نحو طرح المستوى العاملي، وفي هذا المستوى فقط سيتم التحول والانتقال إلى المستوى السطحي، حينها ستلوح في الأفق معالم قصة تعج بالأحداث. > فالمقولات الدلالية العميقة التي لم تكن في مرحلة ما سوى قيم لسانية ستعرف تحولا وستصبح قيما مضمونية مستثمرة في موضوعات تركيبية، وستتحول العلاقات التصنيفية إلى ملفوظات حالة، كما أن العمليات الركيبية المندرجة ضمن التركيب الأصولي، ستتحول إلى فعل تركيبي مشخص يحكم ملفوطات حالة. وهكذا سننتقل من تركيب بنيوي إلى تركيب حدثي للفعل ''لمعنى الحياة والرغبة" <. (17) وحينها نكون أمام الشكل التصويري للحكي. ويتميز هذا الشكل بحضور ممثلين مؤنسنين يقومون بنشاط ما. وبعبارة دقيقة، فإن الأمر يتعلق بطرح المضمون الحكائي للقصة المروية.

ويتميز هذا المستوى عن مستوى البنيات السردية العميقة، من حيث إن التمييز بين العوامل والممثلين يتطابق مع التمييز بين مجموع العلاقات الرابطة بين العوامل داخل البنية التي تحكم هذه العلاقات. ويتم في المستوى الثاني التمييز بين مجموع العناصر التصويرية ( الفضاء، الزمان، الممثلين). وعلى هذا الأساس، يمكن القول >إن كل عملية داخل النحو الأصولي يمكن أن تنقلب إلى ملفوظ سردي يتحدد شكله في الصيغة التالية :

و(ع) = وظيفة (عامل) <. (18)

ويمكن أن نمثل لعملية الانتقال والتمايزات الناتجة عن ذلك من خلال افتراض وجود مسار يقودنا من التجريد إلى عنصر التوسط ليصل بنا إلى المحسوس، أي إلى الوجه المشخص كمعادل للبنية المجردة.

فلنفترض أننا أمام مقولة عامة ومجردة "الاستعباد" مثلا، ولنفترض أن هذه المقولة يمكن أن تدرج ضمن محور دلالي خاص :

استعباد (م) حرية

إن عملية إعطاء مقابل مشخص لا يمكن أن يتم إلا عبر تحول هذه البنية من مجرد مجموعة من العلاقات إلى عمليات. وهذا يعني أننا، انطلاقا من المقولة المجردة، نستطيع استخراج ما يحولها إلى تركيب ( الإمكانيات الفعلية التي تحتويها) :

مستعبد (م) حر

حينها يكون بإمكاننا استشراق مجموعة من الأفعال الحدثية القادرة على إعطاء وجه مشخص لهذه البنية.

استعباد (م) حرية

مستعبد (م) حر

اتصال (م) انفصال

تجريديه (م) تصويرية

فنفي الحد الأول ( الاستعباد ) وإثبات الحد الثاني ( الحرية ) لا يمكن أن يتم إلا من خلال إسقاط سلسلة من الأفعال الحدثية المنجزة لهذا التحول. ولا يتم هذا الإسقاط نفسه إلا من خلال تحديد عنصر يعد سندا لهذه التحولات، والأمر يتعلق بالعوامل. > فإذا كان اشتغال الخطاب كما يبدو ذلك في الظاهر، يكمن في طرح مجموعة من الوحدات ( شخصيات ، فضاء، أشياء) ومنح هذه الوحدات مجموعة من الخصائص، فإن هذا يعني أن هناك عوامل تضاف إليها محمولات، وهو ما يتطابق مع الفعل التركيبي في لحظة انتشاره الزمكانية. إلا أننا إذا تركنا النظام التوزيعي ونظرنا إلى العلاقة عامل/محمول من الناحية الاستبدالية فسيكون بإمكاننا القول إن العوامل باعتبارها مضامين مستثمرة، تتشكل من خلال إبدال من المحمولات <(19).

ويمكن التمثيل لهذه المستويات على الشكل التالي :

مكون تركيبي مكون دلالي

البنيات السميائية/ المستوى العميق التركيب الأصولي الدلالة الأصولية

السردية

المستوى السطحي التركيب السردي الدلالة السردية

السطحي

البنيات الخطابية التركيب الخطابي الدلالة الخطابية

الممثلون الثيمات

الفضاء التصوير

الزمان

(20)

الهوامش

1- من ص : 135-136 Greimas, avec la collaboration de F. Rastier : le jeu des contraintes sémiotique in du sens

2- ص 27 Eco (UMBERTO) : lector in Fabula, ed Grasset, 1985

3- NEF(Fréderic): structure élémentaire de la signification, ouv, coll, P : 20

4- Greimas, du sens, p. 158

5- Greimas, du sens,p. 159

6 - نفسه ، ص 159

7- Ricدur : la grammaire narrative de GREIMAS, p . 7

8- نفسه ، ص 7

9) يعد المؤول العنصر الثالث داخل حركة السميوزيسن ويقوم من خلال موقعه هذا بتحديد وضع العلامة وصحتها وذلك لكونه يعد عنصر التوسط والقانون والضرورة. وحسب دولودال فإن المؤول إما أن يكون علامة أخرى، وإما أن يكون عادة.

10) Ricدur : la grammaire narrative de GREIMAS, p .6

11 ) گريماص، المرجع السابق ، ص 163 - 164

12) GREIMAS, COURTES: Sémiotique, Dictionnaire Riasonné de la théorie du langage, Article : parcours génératif

13 ) Greimas : du sens, p . 164

14) بول ريكور المرجع السابق : ص 8

15) Greimas : Du sens, pp. 165 -166

16) Cocorda (J p) : La morpho-genès, p. 233

17) نفس المرجع ص : 233

18) ص : 168 GREIMAS, Du sens

19) ص 61-62 courtés (Joseph) : introduction à la sémiotique narrative

20) GREIMAS, courès : Sémiotique, p . 160

 

 

 

 
 
 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003